
! تونس والاتحاد الأوروبي … عندما تتحوَّل الضحية إلى «حارس حدود» المستعمر
الخلفية: مذكرة التفاهم وتداعياتها
في سياق تصاعد الضغوط الأوروبية للحد من الهجرة غير النظامية، وقَّعت تونس مذكرة تفاهم مع الاتحاد الأوروبي عام 2023، تحوَّلت بموجبها إلى شريكٍ استراتيجي في «حراسة» حدود الجنوب الأوروبي. جاءت تصريحات جورجيا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، مؤخرًا (مارس 2025)، لتؤكد نجاح هذه الاستراتيجية، حيث أشادت بانخفاض أعداد المهاجرين عبر المتوسط بنسبة 60% مقارنة بعام 2023، مُرجعَةً ذلك إلى تقليل المغادرين من تونس وليبيا. لكن وراء هذه الأرقام، تُخفي الاتفاقية تناقضاتٍ عميقة، تدفعنا لتسليط الضوء عليها.
. تحوُّل الضحية إلى أداة قمع:
– بعد قرون من الاستعمار الفرنسي الذي نهب ثروات تونس وإفريقيا، تُسخّر الدولة التونسية ، تحت غطاء «الشراكة الأوروبية « مواردها الأمنية لاعتقال المهاجرين وترحيلهم، مُحاكيةً بذلك سياسات الاتحاد الأوروبي العنصرية، وكأنها تبرر – داخليًّا – أن انصياعها لشروط التمويل الأوروبي سيمنحها «قوة وهمية» في المفاوضات.
. التطبيع مع الازدواجية الأوروبية:
في سعيها لاتفاقيات التبادل الحر والشامل، تُطالب أوروبا بـ»حرية تنقل السلع ورأس المال» (وفق شروطها)، بينما تفرض قيودًا صارمة وغير إنسانية على تنقل البشر إليها، خاصة من إفريقيا.
هنا، تتبنى تونس خطابًا أوروبيًّا يُجرم الهجرة، رغم أن تاريخها الحديث مبني على هجرة أبنائها إلى أوروبا بحثًا عن حياة أفضل، – يُذكِّر هذا بـ»متلازمة ستوكهولم»، حيث تُظهر النخبة التونسية تعاطفًا مع شروط الاتحاد الأوروبي القمعية، وكأنها تنسى أن الاتفاقية نفسها تُهدد المهاجرين التونسيين.
الاتفاقية… انتصار أوروبي أم مأساة إفريقية؟
ثمن «الشراكة» الباهظ:
– تُحوِّل المذكرة تونس إلى «شرطي حدود» مُكلَّف بحماية أوروبا من «الخطر الأسود»، بينما تُهمل جذور الأزمة: استمرار النهب الأوروبي لثروات إفريقيا، ورفضها فتح قنوات هجرة آمنة.
– يُسجَّل المهاجرون التونسيون أنفسهم ضحايا:
في هذا السياق بدوره قال النائب السابق في البرلمان المقيم في إيطاليا، مجدي الكرباعي، في تدوينة نشرها على صفحته الرسمية بالفايسبوك : “في أقل من 24 ساعة، 4 عائلات من تونس اتصلوا بي ليعلموني انه تم إيقاف أبناءهم و تم وضعهم في مركز الحجز و الترحيل ليقع ترحيلهم، منهم مهاجر تونسي انتحر رفضا لقرار ترحيله “
وتابع الكرباعي: “أصبح من المستحيل تعطيل قرارات الترحيل ..إيطاليا و ألمانيا يقرروا ترحيل التوانسة بأعداد كبيرة .. اتفاقية الهجرة هذه ليست فقط معضلة على أفارقة جنوب الصحراء بل هي كذلك مأساة على المهاجرين التوانسة و عائلتهم ..»
التناقض الأخلاقي الأوروبي:
– تستقبل أوروبا 500 ألف أوكراني بترحاب (وهو أمر إيجابي)، لكنها ترفض 20 ألف إفريقي، وهو ما يكشف عن معايير عنصرية تتعامل مع البشر كـ»أرقام» قابلة للتصنيف.
–الخلاصة: هل يمكن كسر حلقة التماهي؟
لا يُعتبر التعاون التونسي مع الاتحاد الأوروبي خيارًا «براغماتيًّا» بريئًا، بل هو استمرار لديناميكيات استعمارية جديدة، تُعيد إنتاجها النخب المحلية عبر التماهي مع المتسلط. لكن الحل يكمن في:
– وعي تونس بامتدادها الإفريقي، ورفضها أن تكون أداةً لتمزيق عمقها الاستراتيجي.
– مطالبة الاتحاد الأوروبي بتحمل مسؤولياته التاريخية عبر استثمارات حقيقية في إفريقيا، بدلًا من سياسات الترحيل.
– إعادة تعريف «الأمن» ليس كحصار حدودي، بل كعدالة تنموية تُنهي أسباب الهجرة القسرية.
ونذكر في الختام ما قاله الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك بعدة تصريحات تعكس أهمية إفريقيا لفرنسا وتُبرز ضرورة إعادة النظر في العلاقة معها. في مارس 2008، صرح شيراك قائلاً: «دون إفريقيا، ستنزلق فرنسا إلى مرتبة دول العالم الثالث» . كما أشار إلى أن جزءًا كبيرًا من الثروة الفرنسية جاء نتيجة استغلال إفريقيا، مؤكدًا على أهمية إعادة ما سُلب من الأفارقة لتجنب صراعات مستقبلية.