العودة المدرسية وأسس أزمة التعليم في بلادنا

العودة المدرسية وأسس أزمة التعليم في بلادنا

بات حدث العودة المدرسية، في هذه السنين الأخيرة، يمرّ باهتا بعد أن غاب عنه ذلك الرونق الذي كان يطبع حياتهم. حيث كانت العودة المدرسية تشكل محطة فارقة وعلامة بارزة في حياتنا، يلهج بذكرها كل فرد ولو لم تكن له صلة مباشرة معها. لم تعد تلك العودة تعني شيئا إلّا للوليّ الذي باتت الكلفة المادية التي تجاوزت قدرات الغالبية العظمى منهم، أكبر همّه، سواء تعلقت تلك الكلفة بما يحتاجه أبناؤهم من الألبسة ولوازمها بأسعارها المشطّة، أو بكابوس أسعار الكتب والكراسات والأدوات المكتبية، الذي بات يرهق مقدرة شرائية تتراجع كل يوم. إلّا أنّ هذا الوليّ ما يكاد يفرغ من ذلك العبء حتّي يستبدّ به هاجس الاستعداد لمراطون الدروس الخصوصية التي لا يرى مندوحة عنه، إن أراد أن يوفّر أكبر عوامل النجاح بأعلى معدل ممكن لطفله، بعد أن باتت فكرة التعليم في بلادنا متصلة اتصالا حتميّا بالتفوق الاستثنائي حتى يضمن مقعدا في إحدى الجامعات الأجنبية، إن كان لا يزال طالبا، أو يحصل على تعيين في أي من شركات الاستثمار في أي بلد تتوفر فيه سوق شغل لأمثاله ممن ألقت بهم دولهم إلى أفواه الضباع. كلّ ذلك بعد أن انتهى حلم الوظيفة العمومية المضمونة في مؤسسات الدولة والتي طالما أسكرت به سياستها الوطنية، التلاميذ وأولياءهم، حتى تعوّد الرأي العام على اعتصام الخريجين أصحاب الشهائد العليا، السنين المتعاقبة طلبا للانتداب، من سلطة لم تجد من حلّ لخيبتها، إلاّ أن تستدين من قوى أجنبية وصناديق مانحة كي تتكفل بتسديد الرواتب لموظفيها.

ليس بالغريب أن تفضي سياسة التعليم هذه إلى مثل هذه النتائج إذا كان تعليق أحد رؤساء الحكومات القائمين عليها، عن جواب أحد تلامذة أرقى الأحياء بالعاصمة لما سأله عن طموحه بعد تخرّجه بأن يكون « مهندس ذرّة »، فقال له: « وماذا نفعل بها »؟

وتنتفي الغرابة ويزول العجب عن حالنا  » المايل » مع مثل هذه العقليات التي تسوسنا وقد اتخذ أسلافنا « الحداثيين » من أساطين الاستعمار قادة فكر لنا لبناء شخصية ناشئتنا، لما عيّن الوزير خير الدين، لويس ماشويل، على رأس لجنة لدراسة وضعية التعليم بتونس؛ من أجل العمل على إعادة تنظيم التعليم بالمسجد الأعظم وبالمعهد الصادقي، سنة 1880، فاعتمد سياسة تعليم اللغة الفرنسية للطبقة الموسرة من أبناء المسلمين، بهدف تكوين معاونين من الأهالي يدينون بالولاء التام لسلطات الاستعمار. ولإدراك اكتمال حلقة المؤامرة التي لن تكون نتائجها إلا ما نراه اليوم من وهن وضبابية في الموقف من التعليم وهذا التراخي الذي يلف المجتمع، حتى بات التعليم تجارة تراهن فيها العائلة على المكسب المادي دون العناية بشرف التحلي بالعلم والانتساب إليه، إذا كانت مهمة صياغة شخصيتنا سلمت، في بواكير « استقلالنا » عن المستعمر، سنة 1958، لأحد أعمدته « جان دوبياس » ـ المسئول الفرنسي عن التعليم في تونس إلى حين قدوم هذا « الاستقلال » ـ فثبت فينا لغة المستعمر حين فرض اعتماد تعليم مزدوج اللغة، وأغلق جامع الزيتونة وحوّله إلى كلية شريعة تتبع الجامعة التونسية، فقضى بذلك على أعرق جامعة في العالم قاطبة.

وهكذا حين تسند مهمة صياغة شخصية ناشئتنا إلى عدو فلا غرابة أيضا أن يعُمّ القول عند ابن الثانية عشر سنّا، أو عند الشاب المتخرج أو حتى عند من استقرت حياته أن بلاده تونس لم تعد مكانا يؤمن العيش فيه، وأن البحث عن « المستقبل  » وبنائه، لا يكون إلا بالهجرة، حتى كدنا نلمس معالم التأسيس لإفراغ البلد من أهله، نتيجة لعقلية صاغتها مناهج تعليم غريبة عن نظرته للحياة، ورسختها ثقافة دخيلة.

فمن اليقين أن ثقافة أي شعب هي عماد وجوده وعلى أساسها تبنى حضارته، وتتحدّد وتتّحد أهدافه. وثقافتنا هي ما كانت العقيدة الإسلامية أساسا لبحثها، فهي الصانع لشخصية الفرد فينا، وهي المكيفة لعقليتنا، والحاضنة لنفسيتنا، ولن نضمن ذلك إلا إذا احتضنتها صدور أبنائنا وثبتت في كتبنا ودفاترنا. وأي سبيل إلى ذلك غير مناهج التعليم التي تصوغها عقول قادتنا الفكريين، وجهابذتهم من أصحاب العقول المستنيرة، في دولة مسئولة عن تنفيذه ورعايته، يدعم جهدها طيف من الرجال والمؤسسات العلمية والإعلامية ومن المنتديات التي تنبعث في مجتمع حيّ متحرك. ومع وجود جهاز إداري فيه من الكفاية ما يضمن تحقيق الغاية من وضع تلك المناهج، حيث تنتفي عنها عوامل الفشل، ولا يحدث أي خروج عن الأهداف التي حددتها.

CATEGORIES
Share This