…تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ
إنّ المتقصّي لحقيقة مآلات الأحداث في تونس اليوم، مهد الثورة التي هزت أركان عالمنا العربي وحرّكت ساكنه بعنف غير مسبوق، وفرضت تحولات جذرية لا زالت اعتمالاتها تنحت معالم غد يبشّر بالقطع مع عقود من الذلّ والتبعية، ليجزم، بعد أكثر من 14 سنة عن اندلاع أحداثها، وهو محق أنّ المشهد السياسي اليوم في بلادنا طغى عليه أمران:
الأول: انفراد الرئيس قيس سعيد، والذي انتخب في أكتوبر 2019، بالسلطة بعد اتخاذه يوم 25 جويلية 2021 جملة من الإجراءات الاستثنائية، تمثلت خاصة في إعلانه حلّ الحكومة وتعليق البرلمان، تحت عنوان: » تصحيح مسار الثورة « . ثم وفي يوم 29 مارس 2022 دعّم إجراءاته بقرار حل البرلمان، بناء على الفصل 72 من دستور 2014 « حفاظا على الدولة ومؤسساتها »، واستجابة لإرادة الشعب.
الثاني: رفض المعارضة لإجراءات الرئيس قيس سعيد واعتبار ذلك « انقلابا على مسار الثورة »، وتهديدا للديمقراطية، وتأسيسا لعودة الدكتاتورية. وأبرز من قاد هذا التوجه رئيس السلطة التشريعية في برلمان 2014، وزعيم حزب حركة النهضة، وساند رفض هذه الإجراءات طيف واسع من المعارضة وشخصيات مستقلة. في حين أيّدها، خاصة، منظمة الاتحاد العام التونسي للشغل، وبعض التكتلات السياسية غير ذات الوزن من اليساريين والقوميين.
وفي ضباب التناقض الصارخ بين شعار « تصحيح مسار الثورة » الذي يرفعه قيس سعيد، في وجه معارضيه وحتى في وجه كثير ممّن أيّده، والذي برّر به إجراءاته، وبين شعار المعارضة »الانقلاب على مسار الثورة »، رفضا لقرارات رئيس الدولة، أخفيت الحقيقة، وهي أن الانقلاب على الثورة تمّ منذ يوم 15 جانفي 2011 تحت مهزلة الفصلين 56 و 57 من دستور المخلوع، حين أسندت بمقتضى الفصل 57 رئاسة البلاد إلى رئيس برلمان بن علي، فؤاد المبزع حيث أطلقت اليد للمراسيم، في عملية ماكرة لتعليب الثورة والحدّ من اندفاع الثائرين. ثم تدعّمت عملية الانقلاب على ثورة الأمة حين أنشئت « الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي » في 15 مارس 2011، وتعيين عياض بن عاشور على رأسها .
ثمّ كانت ثالثة أثافي الانقلاب على بواكير الثورة، تحوّل الباجي قائد السبسي، بوصفه رئيسا لحكومة « الثورة »، يوم 26 ماي 2011 إلى مؤتمر دوفيل في فرنسا والذي عقدته الدول السبعة الكولنيالية، للتداول في مسألة ما سمّي يومها بالربيع العربي.
بذلك استطاعت هذه الثورة المضادة وقد أمسكت بحلاقيم ثورة الناس، على نظام طالما سامهم الخسف والقهر، أن تفرض دستورا قدّ على عين بصيرة من القوى الاستعمارية، في أجواء مريبة من الاغتيالات لقوى عسكرية وأمنية، وبعض من السياسيين، واضطراب مجتمعي غذته موجة طاحنة من إضرابات أوقد اتحاد الشغل سعيرها، ونفخ في نارها حتى أنها لم تترك قطاعا إلا وأصابه بعض لهيبها. أهدر المال العام بالتفريط في قروض ضخمة سلمت من عهد المخلوع دون ضمانات، وفرضت عملية إعادة « رسملة » البنوك العمومية أين ضخت في خزائنها ما يقارب نصف ميزانية البلاد، مما أدى إلى ارتفاع التضخم بشكل غير مسبوق وانهيار الدينار أمام العملات الصعبة. واستشرت في ظل هذه الأجواء عملية تشظية الحكم بالمحاصصات، وإسقاط الحكومات، وتغيير الوزراء، وإحياء التجمع حزب المخلوع بإعادة إبراز رموزه إلى واجهة الأحداث، تحت طائلة فصول قانون الإرهاب الذي فرضته القوى الغربية لقاء تقديم بعض القروض. هكذا تكون المرحلة الأولى قد أدت دورها: إقصاء الإسلام عن إدارة الحياة، بإسقاط جوهر شعار الثورة، إسقاط النظام، مما شكل هزّة لدى الرأي العام أضعفت ثقته بمستقبله، فكانت فرصة أجادت القوى الاستعمارية استثمارها لما وجدت فيها بيئة خصبة لإدارة انتخابات 2019 تحت مشهد « الخيّر والشرّير ». فكانت سلطة 25 جويلية والتي عمقت أزمة المجتمع في تونس، حيث استجيب لكل شروط الدوائر المالية الاستعمارية المقرضة، فارتفعت أسعار كل المواد الأساسية عمليا لا قانونيا.
وإذا كان الهدف من إدارة المرحلة الأولى من تاريخ الثورة هو إقصاء الإسلام عن حياة الدولة والمجتمع، فإن مرحلتها الحالية تميزت بالعمل على كنس كل أثر إيجابي حققه المدّ الثوري لدى الناس، كالشعور بالذات، والتطلع نحو استعادة الإرادة. حيث باتت جملة من الأفكار والمفاهيم تتداول لدى الرأي العام: كالحديث عن السيادة، وواجب التعوّد على المطالبة بالحقوق، وحتمية القطع العملي مع الاستعمار، وباتت تطرح في منتديات الناس مسألة الثروات وفرضية تحريرها من أيدي الشركات الناهبة، وفرض موضوعها على متلف وسائل الإعلام، حتى بدأ يتشكّل حولها رأي عام ضاغط. كل ذلك شكل إزعاجا للدوائر الغربية، عبر عنها سفراؤهم، وأشعل أمامهم نذر خطر رفع أيديهم عن التدخل في شؤوننا.
بات التنازع بين سلطة 25 جويلية 2021 و خصومها في من يمثل الناس ويعبر عن إرادتهم، أو مدى « ديمقراطية » هذا الطرف أو ذاك هو الخنجر الذي نحرت به تطلعات جمهور الناس إلى تغيير حالهم، حيث ظل خبث الديمقراطية هو السمّ الزّعاف الذي يتجرعه الناس بيد هذا أو ذاك. فباسم هذه الديمقراطية وتأويلاتها الهلامية علّق بن جعفر أعمال المجلس التأسيسي إلى أجل غير مسمى يوم 06/ أوت / 2013 تأمينا « للانتقال الديمقراطي » كما قال، ولم تستأنف أشغاله إلا بانعقاد الحوار، الذي « انقلب » سعيد على مخرجاته، بين الباجي والغنوشي؟ وقد استجلبت باسم الديمقراطية تشريعات، مثل قانون الإرهاب، وقانون العنف ضد المرأة، وقانون الهجرة مقابل قروض مهلكة من الاتحاد الأوروبي؟ وليس آخرا، باتت « ضرورة » استعادة المسار الديمقراطي ذريعة التهديد بالتدخل الأمريكي في بلادنا؟
أمام هذا الانهزام بين يدي صنم ديمقراطية، لم ينفع أي تفسير من تفسيراتها في علاج حالنا الواهن، ولا أعفانا من ذل التكسب بماء الوجه، ولا صان حمانا من خزي التدخل الخارجي، فإن الإصرار على الخضوع لأحكامها، أصبح منتهى الرجاء البحث عن « برنامج مشترك ». فكان من نكد العيش أن بات أبناء المسلمين، أهل عقيدة التوحيد، وأصحاب رسالة غوث البشرية من شرور الطغيان، يضعون أنفسهم في موضع المتحسس لأمر لا يدري ماهيته، باحثا في نفايات أفكار الكفار، عن حلول لقضاياه، دلّت الشواهد الحسية والعقلية على فسادها وعجزها عن معالجة مشاكل الإنسان.
وعلى هذا فإننا في حزب التحرير ولاية تونس ندعو كافة المكون السياسي في بلادنا، سلطة ومعارضة، إلى كلمة سواء بوصفنا جميعا مسلمين ننتمي إلى خير أمة أخرجت للناس أن نتخذ من الفكرة الإسلامية، أي العقيدة الإسلامية وما انبثق عنها من أحكام، وما بني عليها من أفكار، قضيتنا المركزية وذلك من أجل:
ــ استئناف الحياة الإسلامية، وحمل الإسلام إلى العالم، بالعودة إلى العيش عيشا إسلاميا في دار إسلام، وفي مجتمع إسلامي، بحيث يكون جميع شؤون الحياة فيه مسيرة وفق الأحكام الشرعية، وتكون وجهة النظر فيه الحلال والحرام في ظل دولة الإسلام، دولة الخلافة.
وقد أعد حزب التحرير ثقافة سياسية متكاملة، أحاطت بكل جوانب العمل السياسي، قائمة على الدليل الشرعي،وعلى فهم الواقع السياسي على حقيقته، وإننا ندعوكم إلى مناقشة هذه الأفكار على مقتضى الدليل الشرعي، من أجل وضعها موضع التطبيق رضا لرب العالمين وحلولا لمشكلات الحياة.

