
حكام الضرار، وخيوط المؤامرة التي تضغط على أهل غزة
أن يتعرّض النظام المصري لناشطي المنظمات الإنسانية الذين عزموا على الالتحام بقافلة الصمود التي انطلقت طليعتها من تونس لمحاولة الوصول إلى غزة المنكوبة، أواسط شهر جوان الماضي، أو أن يتعقبهم في
موانئ مصر، ومطاراتها، وفنادقها لاحتجازهم ثم ترحيلهم خارج التراب المصري، حتى بلغ لؤم نظام السيسي حدّ سماحه لبلطجيته بالاعتداء الجسدي على ناشطين من جنسيات مختلفة. وقد تعمدت السلطات المصرية ترحيل عدد كبير من الأطباء والنشطاء القادمين من بلدان تربطهم بها علاقات دبلوماسية، فور وصولهم إلى مطار القاهرة.
أو أن يقوم صبيان خليفة حفتر بقطع الطريق عن القافلة المحملة بمواد إغاثة للمحاصرين في غزة، وتمنع القافلة من التقدّم داخل الأراضي الليبية، وتتعمّد مداهمة سياراتها، واعتقال عدد من الناشطين وترويعهم باقتيادهم وفصلهم عن رفقائهم، تحت وابل من القصف الإعلامي في حملة إعلامية تحريضية تستهدف المشاركين في القافلة، وفي تنسيق مع الجهات الرسمية والإعلامية المصرية، بهدف تشويه أعضاء القافلة وتبرير قمعهم، وحجب الاتصالات عنهم، وقطع الإمدادات الغذائية واللوجستية عن آلاف المشاركين فيها.
فلا تختلف « عنترة » السيسي ولا حفتر على إخوان لهم، إن كانوا لهم إخوانا، في شيء عن جريمة كيان يهود في تباهيه بالسيطرة على آخر سفينة من سفن أسطول مدنيّ، وإعلانه احتجاز مئات الناشطين المدنيين، وصدّهم عن الوصول بما حملوا من مؤن وأغطية وأدوية إلى من تخلّت عنهم « إنسانية » حضارة الديمقراطية، ومنعت عنهم أيّا من أسباب الحياة. فإن لم يخجل السيسي ولا حفتر من أن يأتي من تلك الدنايا التي ليست بغريبة عمن رضي لنفسه أن تكون في خدمة من يتحلّى بكلّ دنيئة وخسيسة، فكيف يخجل من يقتل الطفل الرضيع كي لا يكون محاربا له حين يكبر، كي يصف من جاء لنجدة ذلك الرضيع بقنينة حليب بأنهم « إرهابيون جاؤوا لدعم الإرهاب ».
وفي الحقيقة لا يختلف إجرام حفتر والسيسي الذين منعا القافلة من بلوغ مقصدها، عن إجرام سائر حكام المسلمين الذين أخرستهم الخيانة حتى عن اتخاذ موقف الرجال في رفض الظلم مهما كان مرتعه، بعد أن نفض العالم أيديه من أن يرفعوا إصبعا أو يلوحوا بعصا، فوجدوا في اعتداء كيان يهود على أسطول الصمود مجالا ليطلقوا ألسنة أذنابهم بالتنديد والإنكار والإدانة، عسى أن يداروا بذلك خيباتهم ويستروا بزعمهم بعضا من عوراتهم. فهذا البرلمان التونسي الذي لم يقدر حتى على مناقشة قانون لا يساوي، في علم السياسة فلسا لو تبناه، يعلن إدانته اعتداء الكيان على أسطول الصمود واعتقال مئات المشاركين بينهم رئيس لجنة الحقوق والحريات النائب محمد علي، فصار حاله كحال اتحاد العمال الإيطالي الذي طالب سلطات الكيان بالإفراج الفوري عن نشطاء أسطول الصمود، بل تجاوزه إلى مطالبة عمال العالم بالاتحاد من أجل التضامن مع سكان غزة، وحثه المجتمع الدولي العمل على وقف الحرب وإدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة بشكل فوري.
وخلال أطوار هذه الجريمة ساعد الجميع الكيان اللقيط بأن يحوّلها إلى فصول مسرحية قانونية، يتبارى الجميع في نسج خيوطها، فصار الحديث عن ضرورة الحفاظ عن سلامة أفراد الأسطول، وأن لا
تُتخذ ضدهم إجراءات ملاحقة جنائية، وتحول الحديث عن آليات نقلهم إلى بلدانهم، بعد أن أوكل أمرهم إلى جهاز رسمي كممثّل للنشطاء المشاركين في الأسطول، وحصولهم على المشورة القانونية.
وهكذا استطاع كيان يهود الغاصب، وبتواطئ مع كل قوى العالم الرسمية وأجهزتها، أن يتخلص من إمكانية إدانته أمام الرأي العام الدولي بصورة أوضح، مما سمح لرئيس وزرائه المجرم من أن يتشدّق بمدحه لقواته التي تواصل ارتكابها لجرائم الحرب لعقود طويلة، من أن جهودها المهمة « حالت دون دخول عشرات القوارب إلى منطقة القتال، وأفشلت مساعي نزع الشرعية عن إسرائيل »، وأن الأسطول كان يقترب من منطقة قتال نشطة، وينتهك «حصاراً بحرياً قانونياً»، حيث أسبغت قوى العالم الرسمية وأجهزتها، الشرعية على حصار غزة وقتل أهلها.
إلا أن غدر حكام الضرار الذين ابتليت بهم أمة الإسلام هو إلى بوار، ولن ينفعهم ذلّهم أمام ترامب، ومسارعتهم في إنفاذ خطته، فالله سبحانه وتعالى يعلم إسرارهم، وهو القائل، تعالى علوا كبيرا: « وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ » (178)ـ آل عمران ـ

