
إيران بين الدبلوماسية الناعمة واستحقاقات الردع في ظل الاستنفار العسكري الأمريكي
إيران بين الدبلوماسية الناعمة واستحقاقات الردع في ظل الاستنفار العسكري الأمريكي
في الذكرى الأولى لاندلاع حرب الخليج عام 1991، سُئل الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب عن أسوأ السيناريوهات التي كانت تقلق واشنطن آنذاك، فجاء سؤاله افتراضيًا: ماذا لو بادر صدام حسين بضرب القوات الأمريكية قبل اكتمال تمركزها في الخليج؟ وكان جواب بوش حاسمًا: «ذلك هو أسوأ سيناريو كنا نخشاه».
يستعاد هذا التصريح اليوم، ونحن نتابع مشهد الاستنفار العسكري الأمريكي المتصاعد في الخليج، مقابل ما يبدو ذهولا وجمودًا ينتاب حكام إيران إزاء حشود واستعراضات القوة الأمريكية المتزايدة في الإقليم.
الحشود العسكرية الامريكية
فالولايات المتحدة كثّفت وجودها العسكري خلال الأشهر الأخيرة بصورة غير مسبوقة. إذ أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية عن نشر مجموعات ضاربة بحرية وجوية متقدمة، في مقدمتها إرسال القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) حاملة الطائرات النووية USS Abraham Lincoln مع مجموعتها القتالية، التي تضم مدمرات مزودة بصواريخ «توماهوك»، إلى بحر العرب والخليج بعد عبورها بحر الصين الجنوبي. كما تعزّز الوجود البحري بوصول قطع إضافية، من بينها المدمرة USS Delbert D. Black، ليصل عدد السفن الحربية إلى ما بين ست وعشر، مع احتمالات بنشر غواصات هجومية.
وعلى الصعيد الجوي والدفاعي، نشرت واشنطن أسرابًا من مقاتلات F‑15E Strike Eagles في الأردن، وعزّزت منظومات الدفاع الصاروخي Patriot وTHAAD في قواعد إقليمية، خاصة في قطر، بالتوازي مع تكثيف طلعات طائرات التزويد بالوقود، والقاذفات الاستراتيجية، وطائرات الاستطلاع، فضلًا عن تنفيذ مناورات جوية امتدت لعدة أيام وشملت أكثر من دولة في المنطقة. أما بريًا، فيُقدَّر عدد القوات الأمريكية المنتشرة حاليًا بين 30 و50 ألف جندي في قواعد موزعة على قطر والبحرين والسعودية والأردن وعُمان والإمارات، مع رفع درجات الجاهزية تحسبًا لأي تطورات ميدانية.
ذهول حكام إيران
في المقابل، يعيش حكام إيران حالة ارتباك استراتيجي، وكأنهم فوجئوا بسرعة الاصطفاف العسكري الأمريكي. فخطابهم يعكس رهانًا واضحًا على ضبط النفس وتخفيض مستوى التصعيد، في محاولة لتفادي الضربة أو على الأقل عدم الظهور كطرف بادئ بالهجوم، في وقت تواصل فيه الأساطيل الأمريكية الاقتراب من محيطها البحري، وتزداد الأجواء الإقليمية تشابهًا مع مراحل ما قبل الحروب الكبرى.
الضربة قادمة لا محالة، وهذه أهدافها:
إن حجم الحشود الأمريكية يؤكد أن الضربة العسكرية لإيران قادمة لا محال، ولن تكون عشوائية، بل ستُصمَّم كعملية مركّزة تستهدف ركائز القوة الحيوية للدولة. وفي مقدمتها منشآت تخصيب اليورانيوم في نطنز وفوردو، ومراكز القيادة والسيطرة التابعة للحرس الثوري، خاصة في طهران وأصفهان. كما يُرجّح أن تشمل الضربة قواعد إطلاق المسيّرات والصواريخ الباليستية في غرب البلاد، إلى جانب موانئ ومنشآت النفط والغاز القريبة من الخليج، بهدف إضعاف قدرة إيران على تمويل أي مواجهة طويلة الأمد. ولا يُستبعد كذلك استهداف شبكات الاتصالات العسكرية ومخازن الأسلحة في مناطق مثل الأهواز وكرمنشاه وبندر عباس.
لا تستنسخوا خطأ صدام حسين
ويعيد هذا السيناريو العسكري طرح سؤال جوهري حول مدى كفاية سياسة «الدبلوماسية الناعمة» التي تعتمدها طهران حاليًا لحماية كيانها، إذ إن الحروب لا تُحسم بالنوايا وحدها، والتاريخ العسكري يُظهر أن التردد في اتخاذ القرار المناسب تجاه القضايا المصيرية قد يكلّف الدول أثمانًا وجودية باهظة.
ورغم تأخر المبادرة، لا تزال إيران تمتلك هامشًا معتبرًا من الخيارات التي قد تمكّنها من استعادة زمام المبادرة. فالمباغِت غالبًا ما يحظى بالأسبقية ويفرض إيقاع المعركة. ومن هذا المنطلق، يُفترض بطهران ألّا تكرّر خطأ صدام حسين حين ترك الولايات المتحدة تستكمل تمركزها وتختار توقيت الضربة، وهو ما انتهى بتدمير قواته وسقوط نظامه.
الخيارات المتاحة:
ويتمثل الخيار الأول في توجيه ضربة مباغتة تستهدف القواعد الأمريكية في المنطقة، لا سيما المواقع ذات الأهمية الاستراتيجية في الخليج والعراق والأردن وسوريا، إضافة إلى الهدف الأكثر حساسية في المنطقة، وهو كيان يهود، باعتباره ذراعًا متقدمة للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.
أما الخيار الثاني، فيرتبط بفرضية امتلاك إيران قدرة نووية فعلية. ففي منطق «حرب الوجود»، يصبح إظهار هذه القدرة الردعية ضرورة، وعدم إبقائها في دائرة الغموض الكامل. وقد يتحقق ذلك عبر استخدام محدود ومدروس ذي طابع رمزي، أو من خلال إجراء تجربة نووية علنية تحمل رسالة سياسية وعسكرية واضحة مفادها أن أي هجوم عليها سيقابَل برد شامل ومكلف. ويستند هذا المسار إلى تجربة كوريا الشمالية، التي نجحت، عبر تسريع برنامجها النووي وتطوير صواريخها العابرة للقارات، في فرض معادلة ردع جديدة أجبرت واشنطن على التعامل معها بحذر وواقعية أكبر.
إن إيران اليوم أمام لحظة مفصلية:
إما الاستمرار في سياسة المراوغة الدبلوماسية في ظل حشد أمريكي غير مسبوق، بما ينطوي عليه ذلك من مخاطر فقدان القدرة على الردع،
وإما الانتقال إلى تبنّي سياسة ردع جدية وفعالة تُربك الخصوم وتعيد تشكيل ميزان القوى في الإقليم.
وفي هذا السياق، يظهر بوضوح الحاجة لطاقات الأمة في مواجهة الوحش الأمريكي، فالمشاريع القطرية التي افرزتها اتفاقية سايكس بيكو أضعفت الامة وجعلت المبادرة بيد الدول الكبرى العدوة للاسلام والمسلمين، لذلك كان لا بد لايران أن تتجاوز حدود سايكس بيكو وأن لا تكتفي بسياسات الاحتواء. بل عليها توسيع جغرافيا الصراع إلى الفضاء الإقليمي حيث يترسخ النفوذ الأمريكي. فالمواجهة، وفق هذا المنظور، لا تُدار من داخل الحدود القطرية، بل عبر توسيعها باتجاه تفكيك بنى الهيمنة الخارجية، وذلك بإسقاط الأنظمة العميلة وتحرير شعوب المنطقة من العصابات الحاكمة التي استولت على مقدرات الامة وعطلت طاقاتها، وفتح أفق لتحول تاريخي يُستعاد فيه سلطان الأمة وتتحرر إرادتها، وتنطلق من حينها لكنس الوجود الامريكي وربيبتها كيان يهود من المنطقة كلها. واللحظة اليوم تاريخية وتفرض على إيران خيارًا واضحًا: إما أن يتحركوا ضمن هذه الخيارات وإلا سيكون الندم ولات حين مندم.
إن هذه الخيارات تحتاج إلى رجال دولة، يملكون إرادة قوية تستند إلى عقيدة الامة ومشروعها الحضاري، فعسى الله أن يكرم المسلمين عاجلا بقيام الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي ستعيد الامور إلى نصابها، وذلك بجمع طاقات الامة وتطهير المنطقة من النفوذ الأجنبي وتحرير الارض المباركة فلسطين.
أسامة الأسعد
