
كلمة العدد 582 لجريدة التحرير: أمن الأمة عند حكامها، بين مؤتمر ميونيخ للأمن، وتصريح السفير الأمريكي « هاكابي »
أمن الأمة عند حكامها، بين مؤتمر ميونيخ للأمن، وتصريح السفير الأمريكي « هاكابي »
للمرة الثانية والستين ينعقد مؤتمر ميونيخ للأمن ، حيث أن أولى دوراته التأمت سنة 1963 في تلك المدينة الألمانية. ولئن كانت دوراته الأولى، بل ولعقود، تضبطها حاجة الحلف الغربي الملحة لتنسيق أعمال دوله، وحماية مصالح أعضائه ، في حمأة غيوم ورعود الحرب الباردة، ويسندها في ذلك التسليم المرضي، لعالم ما دون الستار الحديدي للشيوعية، بعالمية الأفكار الغربية وإنسانيتها، فإن دورته الأخيرة والتي طغى عليها شعار « العالم تحت الدمار »، حيث انعدمت فيها روح تنسيق الأعمال، ومفهوم حماية المصالح المشتركة، بسبب تصدّع العلاقات عبر الأطلسية إثر الضغوط الأمريكية لزيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي. ولقد كشف الحديث عن الرادع النووي الأوروبي، وإعادة هيكلة الدفاعات الأوروبية عمق الهوة التي باتت تفصل بين حلفاء الهزيع الأخير للنظام العالمي، في ظل تراجع الثقة في الالتزامات الأمريكية.
إلا أن تفسير انفراط عقد التنسيق الاستراتيجي بين « قادة » النظام السائد اليوم في العالم، والذي عبر عنه المستشار الألماني بقوله: « القيادة التي ضاعت وتم إسرافها » بأن النظام الذي أعقب الحرب العالمية الثانية الآن غير موجود، تفسير قاصر لا يعبر عن حقيقة الوضع السياسي العالمي. فالذي غاب اليوم عن الوجود ولم يبق منه إلا رسمه، هو نظام « الوفاق » الذي أرساه مؤتمر فيينا لسنة 1815 والذي تسلمت فيه الولايات مركز القيادة إثر الحرب العالمية الثانية. فقد حددت أوروبا بتوافق قواها العظمى يومها (النمسا، بريطانيا، روسيا، بروسيا، وفرنسا)، ما بات يعرف لاحقا بالقانون الدولي، وحددت بمقتضاه مفهوم السلام العالمي. وذلك بعد أن أعادت تنظيم القارة بعد هزيمة نابليون بونابرت من أجل إرساء توازن قوي يضمن سلاما طويل الأمد، ومنع نشوب حروب واسعة النطاق مستقبلًا، واعتبر مؤتمر فيينا ذاك نموذجاً أولياً للمنظمات الدولية مثل عصبة الأمم والأمم المتحدة، حيث اعتمد الدبلوماسية والمفاوضات الجماعية لحل النزاعات، في حين جرت أشغال مؤتمر ميونيخ الأخير، والعالم قد دخل في مرحلة « منافسة قاسية وغير متوقعة بين القوى العظمى ».
ومع أن مجريات مؤتمر ميونيخ الأخير للأمن، يعكس عمق الفوضى في النظام الدولي وحدّة الانقسامات داخل صفوف الغرب، فإن هذا لا يعني غياب الإجماع بينهم في القضايا غير الأطلسية. فرغم تباعد الشقة بين أمريكا التي تجر أوروبا للخضوع لإرادتها في “احتواء التوسع التكنولوجي والعسكري” للصين مثلا، تدعو بريطانيا أوروبا رسمياً للبدء في مفاوضات لإبرام “ميثاق أمني بينها والاتحاد الأوروبي” يغطي تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون الدفاعي وتأمين سلاسل الإمداد، شهد المؤتمر تظاهرات ضخمة لدعم المعارضة الإيرانية، والتأليب على النظام في إيران، واتفاق الأطراف جميعها، أمريكا وبريطانيا والقادة الأوروبيين، على ضرورة تشديد الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية على طهران.
وما كان الخلاف الذي برز من خلال أعمال مؤتمر ميونخ للأمن بين الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بشأن مستقبل قطاع غزة، إلا لانفراد أمريكا بمستقبل القطاع حيث لم يبق لأروبا دور فيه، حيث لم تحصل على المكافأة المناسبة للجهد « الرئيسي » الذي تؤديه أوروبا في تمويل للسلطة الفلسطينية. وهكذا يتجلى من خلال دورات مؤتمر ميونيخ للأمن المتعاقبة منذ عقود أن « الأمن » في النظام الديمقراطي الرأسمالي لا يعني إلا تجاهل حقوق أي طرف آخر غير الأطراف المشكلة لهذا النظام، وعدم اعتبارها أصلا، واستغلال الدول الأخرى لمصالحها الخاصة. فعلى امتداد دورات هذا المؤتمر احتلت أجزاء شاسعة من بلاد المسلمين في مصر وسوريا والأردن، أو دمر العراق والصومال وأفغانستان، وأوقعت المجازر الفظيعة في بورما والبوسنة وكشمير، بل وتعاد سيرة محاكم التفتيش في الأرض المباركة فلسطين، وفي تركستان الشرقية والسودان، وتنقل أحداثها على مختلف المواقع الإعلامية ولا تحرك ساكنا لدى الدول ومؤتمراتها، ولا تعد تلك الأحداث تهديدا للأمن.
ومع كل هذا الإذلال الذي تتجرع الأمة غصصه، لم يغب حكام المسلمين والعرب منهم خاصة عن حضور كل مؤتمرات ميونيخ للأمن وغيرها من المؤتمرات، معتبرين أن قضايانا والحال التي نحن عليها، عناصر فاعلة في معادلة الأمن العالمي، مما يتطلب « التنسيقً » ألواسع بين « القيادات العربية »، أي أن هواننا ضرورة للأمن العالمي. وغير بعيد عن آخر مؤتمرات ميونخ للأمن يأتي التصريح الصحفي لهاكابي سفير أمريكا في كيان يهود أنه سيكون من الجيد لو أخذ الكيان المسخ كل أرض فلسطين التاريخية والأردن ولبنان وسوريا، وأجزاء واسعة من مصر والعراق والسعودية. هذه هي مفاهيم الأمن التي يراها أعداء الأمة سواء أضمرها الحزب الديمقراطي الأمريكي أو جهر بها الحزب الجمهوري، فهي لا تختلف في شيء حدود أمنها عند حكامها.
