أفق تحريك جمود الحياة السياسية في تونس
يقف الطيف العلماني التونسي، بأي اسم تسمّى، وبأي سربال تسربل، مشدوها متحيرا، مرتبكا، أمام انسداد الأفق السياسي الذي شلّ الجميع عن الحركة، وأمام الفشل المؤسساتي الذريع في إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية، بعد أن فقد ذريعة الإسلام السياسي، ذلك المشجب الذي كان هذا الطيف البائس يعلق عليه كل خيباته. فقد بات حديثهم عن خطر الإسلام السياسي على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية أمرا ممجوجا، وعذرا داحضا، بعد أن غيبت السجون خصومهم، أو طوحت بدارهم الغربة. فانكشف عجزهم عن تلافي « خطإ » مساندتهم لتيار ورمزه، اتهمهم جميعا في يوم ما بأنهم لم يعمل أحد منهم وفق روح الثورة، من حيث بعدهم عن « إرادة الشعب ».
ورغم إدراك الجميع أن هذا التيار يتميز بعدم امتلاكه لهيكل سياسي أو أيديولوجيا مبلورة، فقد طمع الجميع وبانتهازية مقيتة، كل من جانبه، بتوظيفه واتخاذه سلما لمآربه. إلا أنه ولما ناقض محصول البيدر حساب الحقل، وشهدت الحياة السياسية تحولاً جذرياً نحو نظام رئاسي مركزي، حيث انتقلت البلاد من « ديمقراطية » برلمانية إلى منظومة حكم تركزت فيها السلطات التنفيذية والتشريعية بيد رئيس الدولة حيث هيمن الرئيس على إدارة الشأن العام وصياغة السياسات، في حين تحول دور البرلمان إلى صورة باهتة للتمثيل الشعبي، ركنت الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية الكبرى نفسها في زاوية التهميش، فانحسر تأثيرها على القرار السياسي. وأمام تلفّع السلطة بوهم المشاركة القاعدية والمجالس المحلية، ووضع يدها على المشهد الإعلامي، بعد أن فرضت قيودا مستمرة تحت طائلة المرسوم 54 المتعلق بالجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال جمدت الأوساط السياسية في مواقعها وظلت ترنوا إلى أن يأتي المدد من خارج الحدود.
ورغم إجماع كافة الطيف السياسي والثقافي، وعموم الرأي العام على أن تونس اليوم تعيش واحدا من أكثر فصولها قتامة منذ الثورة. فبعد أكثر من عقد على انطلاق المسار الثوري، تجد البلاد نفسها في حالة جمود خطير تمس أطياف المجتمع قاطبة، في حياتها السياسية، وفي قوت يومها، وأمام إدارة في حالة شلل تام حتى باتت هدفا لرأس الدولة معتبرا إياها امتدادا لمنظومة « الفساد »، وجد الوسط العلماني نفسه، وهو المهيمن على الشأن العام منذ عقود، في حالة تيهان لا يدري أين يتجه. يجد نفسه في وضع العاجز المفضوح، غير قادر على بلورة مشروع عملي للمشكلات التي جرها على البلاد بإصراره على اعتماد الفكر الغربي، وظلت هذه الأوساط تلوك موضوع المشاركة في الحكم كحل لمعضلات البلاد في مقابل الانفراد بالسلطة.
ورغم هذا الخواء الفكري الذي يميز علمانيي تونس وسائر بلاد الإسلام لا زال يتكرر بينهم سؤال، لا يجدون له جوابا، وهو: لماذا لم تنجح تونس، رغم ما تمتلكه من مقومات بشرية وجغرافية، في تحقيق نهضتها التنموية الكاملة؟
وإذا استعرضنا مسار تونس منذ ما سمي بالاستقلال إلى يومنا، وفي ظل السعي المحموم لتثبيت مفهوم الدولة الوطنية، وما مرت به من خيبات التجربة الاشتراكية الدستورية، ثم التحول نحو الاقتصاد الليبرالي في سبعينيات القرن الماضي وما جره على البلاد من تبعية عضوية بالمصالح الأوروبية، عطلت فينا كل إمكانية للانعتاق من نير الاستعمار. تتجلى الحقيقة الساطعة أن سبب عدم تحقق تلك النهضة هي تلك الطبقة من العلمانيين التي غرزها الكافر المستعمر بين ظهرانينا وأمدها بعوامل البقاء والاستمرار.
فلا رجاء في إنهاض البلاد من الانحدار الشديد، الذي أوصلتنا إليها علمانية الطبقة الحاكمة وبطانتها، إلا بالتحامها بأمة الإسلام، وتحريرها من أفكار الكفر وأنظمته وأحكامه، ومن سيطرة الدول الكافرة ونفوذها.
—
