
عندما تصبح المخدرات سياسة أرقام… فمن يحاسب الدولة؟
حين تقف وزارة الداخلية أمام البرلمان لتعلن أن تونس سجلت خلال سنة 2025 وحدها 15253 قضية مخدرات، تورط فيها 27338 شخصا، مع ضبط أكثر من 10500 مُروّج، بمحجوز يقدر بحوالي 2.49 مليون قرص مخدر خلال نفس السنة، ثم تضيف أن هناك 86599 قضية أمام المحاكم خلال عشر سنوات، تورط فيها 156 ألف شخص، بينهم 104 آلاف مستهلك، فإن الأمر لم يعد مجرد ملف أمني، بل أصبح أزمة عميقة يئن تحت وطأتها المجتمع، وتمس حاضر البلاد ومستقبلها. وتزداد الأزمة عمقا حين نعلم أن ما بين 80 و89 بالمائة من المتورطين هم من الشباب بين 18 و40 سنة.
هذه الإحصائيات الرسمية الصادمة، ليست أرقامًا عابرة، بل هي شهادة رسمية على أن تونس تواجه واحدة من أخطر الأزمات التي عرفتها منذ عقود، منبئة بلهيب اجتماعي ينبعث من تحت رماد التهميش، خاصة في الأحياء الشعبية. والمُخجل في هذا الخطاب الرسمي، هو ذلك الإقرار الضمني بالفشل في منع دخول هذه الآفة إلى بلادنا، لأن السؤال الحقيقي هنا، لم يعد: كم عدد المستهلكين؟ بل كيف وصلت هذه الكميات الهائلة إلى داخل البلاد أصلًا؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نعتاد هذه الأرقام، وأن يصبح خبر ضبط ملايين الأقراص خبرًا عاديًا تتناقله وسائل الإعلام كإنجاز أمني في مجال مكافحة المخدرات، وأن تتحول رؤية آلاف الشباب أمام المحاكم والسجون إلى مشهد مألوف، مع أن الذين يقفون في قاعات المحاكم ليسوا هم من صنعوا هذه السوق، بل هم الحلقة الأضعف في سلسلة تبدأ عند كبار المهربين، وتمر عبر شبكات التمويل والتوزيع، وتنتهي عند شاب ربما سقط في لحظة ضعف، أو جهل، في بلد يفترض أن يكون فيه الإسلام نظاما للحياة والمجتمع والدولة، وأن تُقوّي فيه الدولة وازع تقوى الله عند الأفراد، لأن كل بيت عامر بالقرآن والصلاة وعبادة الله، هو أصعب على تجار السموم من ألف دورية أمنية. قال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).
إن الأرقام المعلنة لا تتحدث عن انحرافات فردية، وإنما عن سوق ضخمة، وشبكات واسعة، ومسارات تهريب، وتمويل، وتوزيع، وتخزين، وترويج. فالمستهلك ليس بداية السلسلة، بل هو آخر حلقة فيها. وكلما زاد عدد المستهلكين الذين صاروا مجرد أرقام في ملفات المحاكم والسجون، كلما انكشف حجم غياب الدولة عن حماية أهل البلد من هذا الخطر الداهم.
فالمخدرات، لا تُزرع في الأحياء الشعبية، ولا تُصنع في الجامعات، ولا تظهر فجأة في جيوب الشباب. إنها تعبر الحدود، وتُنقل، وتُخزن، وتُوزع، وتُباع عبر شبكات منظمة، تمتلك المال، والوسائل، والحماية اللوجستية وبالتالي القدرة على الإفلات. فالحديث عن حجز ملايين الأقراص، يعني أن هناك تجارة بملايين الأقراص. والحديث عن أكثر من عشرة آلاف مروّج، يعني أن وراءهم شبكات تمويل وإمداد لا يمكن اختزالها في بضعة باعة متجولين.
ومن هنا يبدأ السؤال السياسي قبل أن يكون الأمني. ليست القضية أن شابًا ضُبط وهو يستهلك مادة مخدرة، بل القضية تبدأ بالبحث عمن أوصلها إليه؟ ومن فتح الطريق أمامها؟ ومن راكم الثروات من تجارة الموت هذه؟ ثم كيف تقدر السلطة على محاكمة وسجن مخالفيها، بينما تعجز عن الإمساك ببارونات المخدرات ووضع حد لهذا النزيف؟
إن جميع المؤشرات ومنها التقرير العالمي للمخدرات لعام 2026 عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، تدل على أن هناك بيئة إقليمية ودولية مصممة بعناية، بهدف إغراق البلاد بالمخدرات، بحيث يسهل التبرير والتحجج بكونها ظاهرة عالمية مفروضة على تونس، شأنها في ذلك شأن الإرهاب، وهذا نصف الحقيقة، أما النصف الآخر فهو أن الدول الفاقدة للسيادة يُفرض عليها التواطؤ مع هذه الأجندات المتربصة بالمجتمعات المسلمة بغاية هدمها.
وإن النجاح في التصدي لهذه الآفة لا يقاس بعدد المستهلكين الذين يُلقى القبض عليهم، وإنما بالقدرة على تفكيك الشبكات الكبرى، وتجفيف منابع التمويل، وإسقاط كبار المهربين، ومنع السموم من دخول البلاد قبل أن تصل إلى الأحياء والمدارس والجامعات. ولا ينبغي أن تتحول المعركة ضد المخدرات إلى مواجهة مباشرة مع الشباب. فالشاب الذي وقع في الإدمان يحتاج إلى العلاج ابتداء، وإلى تذكيره بالله، بدل تعزيز رغبة الانتقام لديه، وهدم مستقبله، فديننا علّمنا أن باب التوبة مفتوح، ولكن لسان حال السلطة يقول: باب السجن مفتوح. ثم من سيحصن هؤلاء إيمانيا ويغرس في قلوبهم العقيدة الإسلامية، إذا كان العلماء وخطباء المساجد مدجنون تحت سقف سلطة علمانية تحارب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
إن الحديث الآن عن حملة تحسيسية أو عن ضرورة مراجعة السياسات الوقائية والأمنية والقضائية، يعكس بدوره حقيقة الأزمة، من كونها أزمة نظام لا يستمد حلوله ومعالجاته من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ولذلك تبقى السلطات عاجزة عن تطويق ظاهرة المخدرات وما ينجر عنها من جرائم، لتأتي الحلول لاحقا كأحكام جائرة من داخل أروقة القضاء. وأمام هذا الخلل البنيوي في الفكر والسياسة والتشريع، فإن الواجب على أهل تونس هو محاسبة الحكام والعمل على تغيير هذا الواقع من جذوره على أساس الإسلام، لا مسايرته والسكوت عنه.
إن حماية شباب تونس ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هو امتحان لدولة تعجز عن منع الجريمة قبل وقوعها، ثم تكتفي بإحصاء ضحاياها. لقد سرقت البطالة أحلام كثير من شبابنا، وسرقت الهجرة طاقات كثيرة، وابتلع البحر رفات آلاف الفارّين من هذا البلد، واليوم تحاول المخدرات أن تسرق ما تبقى: العقول والإرادة والمستقبل. فمن سيحاسب الدولة وهي تدّعي البناء والتشييد؟
