
حين نبحث عن السيادة بعقلية التابع
لا زالت مسألة مشروعية سلطة قيس سعيد تطرح بقوة في ميزان المعادلات السياسية التونسية. فبين من أقر له بسلطته بحكم الأمر الواقع، وبات حديثه عن مرحلة ما بعد قيس سعيد، سواء أكان استنفد عهدته بانتهاء الدورة الانتخابية الحالية، او استقطع دورة أخرى، على تأويل أن دستور 2022 يبيح له الترشح لدورة رئاسية أخرى مدتها خمس سنوات في انتخابات عام 2029، باعتبار أن فترته الرئاسية الأولى التي بدأت إثر انتخابات أكتوبر 2024 تحسب كأول عهدة له. وبين معارضة متنامية تنكر عليه استبداده بالسلط الثلاث وفرض هيمنته على مؤسسات البلاد وإداراتها، ومنظمات تستثمر في تداعيات فشل سلطته اقتصاديا واجتماعيا، وخنقها للفضاء العام، مما جعل افتراض تأزم سلطة سعيد وانفجار أوضاعها منذر بزوالها، وأن إسقاطها يتطلب تصعيداً نضالياً شاملاً ووحدة صف المناهضين لمسار 25 جويلية.
إلا أن هذا الطرف أو ذاك سيظل غير قادر في الوقت الحالي، أو غدا على التأثير بجدية في سلطة الرئيس قيس سعيد، أو أي سلطة تقوم مقامه. واستحالة التأثير فيها لا يعود إلى ما يقال عن « التشتت الأيديولوجي »، أو الضربات القضائية والأمنية التي استهدفت أبرز قيادات المعارضة، أو إلى إحكام السطوة الرئاسية على مفاصل الدولة بموجب دستور 2022، رغم تردي الوضع المعيشي الذي يلامس حدود الكارثة.
بل يعود ذلك إلى المقاربات التي تعتمدها الأوساط السياسية والثقافية، في تعاطيها مع مشروعية سلطة قيس سعيد، قبلت بها أو ناقضتها، والتي ظلت حبيسة إجراءات قانونية، وإلى النواحي الشكلية كحساب نسبة من صوت لقيس سعيد ممن لهم أحقية الانتخاب، أو بالاطمئنان إلى تدني نسبة المؤيدين له، دون الغوص في جوهر موضوع ثورة الناس على أصل النظام، أو إيلاء مسألة انفضاض قطاع متعاظم من الشارع من حول الوسط السياسي، حكما ومعارضة، وتحميله مسؤولية الأزمات السابقة، الأهمية المطلوبة، حتى أن الرأي العام بات لا يرى في المعارضة الحالية بديلاً مقنعاً رغم تدهور الأوضاع الاقتصادية.
لا زال « قادة الفكر السياسي » في بلادنا والمتصدرين اليوم للتأثير في الرأي العام بما تبيحه لهم المنظومة السياسية الموروثة عن الحقبة الاستعمارية، أسرى الفكر السياسي الذي أرساه مفكرو الهيمنة الغربية، والذي أثر من خلاله المفكرون الغربيون بعمق في تحول مجتمعاتهم من خلال تحطيم أفكار سلطة الكهنوت المطلقة، بما أثر في مسارات الفكر النقدي، والسياسي، والاجتماعي في تونس. حيث لا زال فوكو، وكانط، وماركس، ونيتشه، وديكارت، وغرامشي، وغيرهم… هم المراجع التي تفرض نظرتهم للحياة،غصبا على وعي الناس في بلادنا الإسلامية رغم التناقض الصارخ مع كهنوت الحياة الأوروبية مع عقلانية مبدإ الإسلام، وسلامة فطرة معالجاته. ولم توقظهم من انضباعهم هذا، جملة التحولات الفكرية التي فرضتها محاولة تثبيت الهيمنة الاستعمارية بعد انتفاضة الشعوب في نواحي العالم، والتي يمثلها اليوم أبرز مفكريهم، كالمنظر الاجتماعي هابرماس، والفيلسوف الأمريكي ريتشارد بيرنشتاين، بأن المعركة اليوم هو صراع حضاري وجودي، وذلك بسعيهم على تجذير الهيمنة الغربية على العالم، من خلال حماية « منجزات عصر التنوير » بالسيطرة الكونية، والتي لم تكتمل بعد، بحسب منظريهم، حماية لحيوية وفاعلية الفضاء الأوروبي والغربي عموما.
فسواء اعترف هذا الطرف بشرعية سلطة قيس سعيد وعمل لما بعدها، خدمة « للصالح العام »، أو عارضها ذاك، ولم يقر بمشروعيتها وسعى لدرء « خطرها » عن البلاد والعباد، فلن يكون الخلاص على يد أحد الطرفين، ما بنيت معالجاتهم على قاعدة دستور وضعيّ، تأسيسا على شرف مزعوم، كون تونس قدّمت إلى العالم الإسلامي أول دستور مكتوب عام 1861. فالمسلمون في تونس وسائر بلاد الإسلام، ينتفضون وتضطرب أحوالهم، من جرّاء حالة عدم الاستقرار في ديارهم بسبب الألم والحيرة وغياب الحلول الواضحة المُرضية، وهم يتشوفون إلى الأمان، وهم يدركون في الآن نفسه أن ضنك عيشهم لن يرفع عنهم إلا بشريعة الله سبحانه وتعالى، لا على أساس النظم والتشريعات الوضعية الظالمة. فهم موقنون بأن استمداد القوانين من القرآن الكريم والسنة النبوية هو الكفيل الحصري بتوفيّر العدل والازدهار والأمن لجميع الناس بغضّ النظر عن أعراقهم وأديانهم. وكانت سلطة المدينة تحكم المسلمين، وتعالج مظالمهم، وتحلّ نزاعاتهم على أساس الإسلام. فلن يحصل الأمن في مجتمع تقوم هويته على الولاء لأرض وحدود، وتُستمد قوانينه من تشريعات بشرية معيبة، وتحكمه سلطة تُدير شؤون المسلمين على أساس العلمانية التي تفصل دين الله عن الهوية والقانون والدستور. يقول الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل تبكيتا لمن أعرض عن ذكره سبحانه وتعالى: » ﴿ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [ سورة النور: 50]
