« حين يفضح الكهرباء وهم »دولة الحداثة

« حين يفضح الكهرباء وهم »دولة الحداثة

   بعد سبعين سنة بالتمام والكمال من « الاستقلال »، تجد دولة المدنية والحداثة، في الارتفاع القياسي في درجات الحرارة، والزيادة غير مسبوقة في استهلاك الكهرباء، خاصة أجهزة التكييف، أو في العطل التقني الطارئ في إحدى المنشآت الطاقية في شرق الجزائر، وتجنبا لانهيار الشبكة بالكامل، مبررا كافيا للجوء شركة الكهرباء والغاز التونسية إلى القطع الدوري والمؤقت للتيار الكهربائي.  

      إلا أن دولة المدنية والحداثة هذه لم تر في الانقطاعات المتكررة للكهرباء، وما تجره على أهل تونس من عنت، وما تسببه لهم من أزمات معيشية واقتصادية حادة، كتهديد حياة أصحاب الأمراض المزمنة المعتمدين على أجهزة التنفس الاصطناعي وآلات تصفية الدم المنزلية، أو فساد المواد الغذائية والأدوية الحساسة لدرجات الحرارة بسبب توقف الثلاجات، أو تعطّل الأجهزة الإلكترونية وتعرض العديد من الأجهزة المنزلية للتلف نتيجة تذبذب وعودة التيار الكهربائي بشكل مفاجئ، وما قد يتسبب فيه من انقطاع المياه الصالحة للشرب في عدة مناطق باعتبار أن المضخات تعتمد كلياً على الكهرباء، وحتى تعطل سلاسل الإنتاج في المؤسسات التجارية والصناعية، مبررات كافية لتستعد لمثل هذه الطوارئ، ويحطاط خبراؤها ومكاتب دراساتها لكل العقبات المحتملة أو التغيرات السياسية الممكنة.

   فما أيسر الاعذار، في بلداننا، عند المسئول الوطني، وما أهون ما يجره على الناس من ويلات لديه. فبالرغم مما يتحمله التونسي من سوء رعاية وفساد إدارة، حيث أن تكلفة الاستهلاك الأساسي من الطاقة، رغم ما يبدو من انخفاض السعر بالكيلوواط، تظل نسبة الإنفاق على الطاقة من متوسط الدخل الفردي تُشكل عبئاً مرتفعا بسبب محدودية الدخل العام، جعلت الفاتورة الشهرية العادية  تستقطع نسبة ما يصل إلى 10% من الراتب الشهري للعائلة التونسية، وهي نسبة تفوق ما يدفعه مواطنو الدول الغنية المتقدمة.

   لم يجد المسئول الوطني في دولة الديمقراطية والحداثة، طيلة هذه السبعين سنة ما يكفيه من حلول لتلبية احتياجات اثني عشر مليون نسمة، من أسباب الحياة ومن الطاقة تحديدا، وهم الذين لا يفوق تعدادهم منتسبي أحياء بعض كبرى حواضر العالم. بل لم تستطع هذه المنظومة التي طال ليل هيمنتها على البلاد أن تستثمر في جملة الطاقات البشرية والمادية، المتوفرة لديها، من اجل حلول عملية تغني عن الإجراءات التقنية، التي اضرت لها، تفادياً لانهيار منظومة الإنتاج.

    إلا أن المتابع لأهم التطورات المحدثة على الشركة التونسية للكهرباء والغاز، في تركيزها على إدارة موضوع الطلب المتنامي على الطاقة، خاصة في فترات الذروة، يرى أن استثمارها في التحولات الرقمية التي عمت العالم المعاصر، والتي طالت كل جوانب الحياة الإنسانية، لم يتجاوز إحداث برنامج « الشبكات الذكية »   الذي يهدف إلى:

        ـــ التعميم التدريجي لـ العدادات الذكية لمراقبة الاستهلاك بدقة.

        ـــ تطوير خدماتها الرقمية على الموقع الرسمي للشركة التونسية للكهرباء والغاز، لتسهيل عمليات الدفع ومتابعة الفواتير عن بعد.

    إلا أن « سياسة » المنظومة المتحكمة بمستقبل العباد والبلاد، وفي ظل التوجه العالمي نحو الطاقات المتجددة، من أجل التقليص من الاعتماد على الغاز الطبيعي، تميزت بوجهين غريبين بل ومضادين للمصلحة العامة:

     ـــ إهمال وعدم التحفيز العملي للمساهمة الشعبية والخاصة في منظومات الطاقة الشمسية الكهروضوئية المُركبة فوق الأسطح، رغم تنامي استعداد المواطنين في الاستثمار في هذا الاتجاه، مما حرم المجموعة الأهلية من ثروة تكاد تكون عديمة التكاليف، وإهدار طاقة تغني البلاد عن الارتهان لأي متربص بها. 

     ـــ إلا أن أخطر ما يتصل بموضوع الطاقة والطاقة المتجددة في بلادنا، هو هذا التوجه الذي بدأت تتكشف ملامحه، كالقيود التي لا تكاد ترى والتي باتت تكبّل شركة الكهرباء والغاز التونسية من أن تطلق يدها في تنفيذ مشاريع الانتقال الطاقي، مثل إنجاز محطات لإنتاج الكهرباء عبر الطاقة الشمسية الفولطاضوئية، وهي الشركة التاريخية المكلفة بإنتاج وتوزيع الكهرباء والغاز في تونس، منذ تأسيسها سنة 1962. وذلك بعد مصادقة البرلمان التونسي في أفريل 2026 على خمس اتفاقيات لزمات لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، وإسنادها لشركات عالمية، وحرمان الشركة المحلية من هذه السوق الربحية الخالصة، مع شرط أن تُباع كامل الطاقة المنتجة حصرياً إلى الشركة التونسية للكهرباء والغاز، فهل أن مهزلة اللجوء إلى القطع الدوري والمؤقت للتيار الكهربائي، والذي طال كل شرائح المجتمع وعم كامل والبلاد، في هذا الصيف القائظ، هو ترويض للجميع على القبول بمثل هذه الصفقات وتبرير للعجز المقنع للشركة العامة، أو للمستثمر التونسي الخاص، عن الاستجابة للحاجات المتنامية للطاقة؟  

 

CATEGORIES
Share This