مخطط التنمية 2026-2030: تنمية للإنتاج أم إدارة لأزمة الديون؟

مخطط التنمية 2026-2030: تنمية للإنتاج أم إدارة لأزمة الديون؟

تدخل تونس مرحلة مخطط التنمية 2026-2030 في ظرف اقتصادي ومالي بالغ التعقيد، وسط تناقضات بين أرقام مالية صعبة ووعود بتمويل خارجي محتمل، في وقت يظل فيه النمو الاقتصادي هشًا، والدين العام مرتفعًا، والمشاريع التنموية الكبرى معلّقة أو متأخرة في تنفيذها والأزمات القطاعية متراكمة والمطالب الاجتماعية حارقة وملحة.

فالمشكلة لم تعد مجرد نقص في الموارد لتمويل المشاريع، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أعمق: هل تمتلك البلاد نموذجًا اقتصاديًا قادرًا على خلق الثروة التي تسمح لها بتمويل تنميتها وتعبئة مواردها والخروج تدريجيًا من دائرة المديونية؟

تكشف الأرقام حجم المأزق. فقد بلغ الدين الخارجي التونسي، وفق المعطيات المتداولة، حوالي 123.85 مليار دينار مع نهاية الثلاثي الثالث من سنة 2025، في حين تجاوزت خدمة الدين السنوية 24.7 مليار دينار، منها حوالي 10.4 مليارات دينار مخصصة للالتزامات الخارجية. وفي الوقت الذي تحتاج فيه الدولة إلى توجيه مواردها نحو الاستثمار والإنتاج، أصبحت نسبة مهمة من مواردها موجهة لخدمة الديون المتراكمة.

ولمواجهة هذه الضغوط، برمجت ميزانية 2025 اقتراضًا جديدًا في حدود 28 مليار دينار، وهو ما يعكس تحولا في وظيفة الاقتراض: فهو لم يعد أداة لتمويل استثمارات تخلق قيمة مضافة، أصبح جزء منه مرتبطًا بإعادة تمويل الالتزامات القائمة والحفاظ على توازنات مالية هشة.

ويزداد هذا الوضع تعقيدًا مع توسع اللجوء إلى الاقتراض الداخلي. فقد اقترضت الحكومة من البنك المركزي 7 مليارات دينار سنة 2024، ثم أعادت الاقتراض بالمبلغ نفسه سنة 2025، قبل أن ترفع سقف الاقتراض المباشر إلى 11 مليار دينار سنة 2026. غير أن ضخ هذه السيولة، إذا توجه أساسًا إلى تغطية نفقات التسيير والدعم وخدمة الدين، لن يعالج أصل المشكلة، بل قد يؤجلها فقط، مع ما يحمله ذلك من ضغوط إضافية على التوازنات النقدية.

وسط هذا الكم من التعقيدات المتراكمة، أبرمت تونس اتفاقية قرض مع صندوق النقد العربي بقيمة 312 مليون دولار، في خطوة تستهدف دعم برنامج الإصلاحات الاقتصادية والمالية الذي تنفذه الحكومة، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والمالي في ظل استمرار الضغوط على المالية العامة. (الجزيرة، في 2026/07/09).

في هذا السياق، يصبح منشور البنك المركزي عدد 4 لسنة 2026 جزءًا من معادلة أكبر ومعضلة أخطر. فالدولة تسعى إلى حماية احتياطي العملة الأجنبية في ظل استمرار العجز التجاري، لكن الإشكال أن الاقتصاد التونسي لا يستورد فقط السلع الاستهلاكية، بل يستورد أيضًا جزءًا مهمًا من مستلزمات الإنتاج: المعدات، والمواد الأولية، والمكونات الصناعية. لذلك فإن تشديد شروط التمويل قد يؤدي، في عديد الحالات، ليس فقط إلى تقليص الواردات، بل إلى إضعاف قدرة المؤسسات على الإنتاج والاستثمار والتصدير، وبالتالي إلى خنق المؤسسات المتوسطة وقتل المؤسسات الصغرى.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى في مخطط التنمية 2026-2030: فمن جهة تراهن الدولة على دور أكبر للقطاع الخاص في دفع الاستثمار وتمويل المشاريع، ومن جهة أخرى تواجه المؤسسات، خاصة الصغرى والمتوسطة، بيئة صعبة جدا من حيث التمويل والسيولة والقدرة على التوسع. فكيف يمكن مطالبة القطاع الخاص بقيادة النمو، بينما تتراجع قدرته على الاستثمار المنتج؟

إن مشاريع تطوير النقل واللوجستيات، مثل الممر الحديدي عالي الأداء، وتوسعة مطار تونس قرطاج، ومشروع ميناء المياه العميقة والمنطقة اللوجستية بالنفيضة، وهي أهم المشاريع الكبرى المذكورة في مخطط التنمية هذا، لا يمكن إنجازها دون تمويل، والدليل هو تعطل إنجاز ما دون ذلك من مشاريع ظلت عالقة لسنوات طويلة. من جهة أخرى، فإن البنية التحتية، مهما كانت أهميتها، لا تكفي وحدها لتشييد أي بناء اقتصادي. فالاقتصاد لا يبنى بالموانئ والطرق فقط، بل أيضًا بصناعة قوية، (وفي مقدمتها الصناعات الثقيلة)، وطاقة أقل كلفة، وبحث علمي مرتبط بالإنتاج، ومؤسسات قادرة على الابتكار والمنافسة، وبيئة تشجع على ذلك.

كما أن فرضيات الميزانية تبقى عرضة للمخاطر الخارجية، خاصة في ظل تقلب أسعار الطاقة. فإذا تجاوز سعر النفط الفرضية المعتمدة عند 63 دولارًا للبرميل، فإن فاتورة الدعم المقدرة بحوالي 9.8 مليارات دينار قد تصبح عبئًا إضافيًا على المالية العمومية، ما يضع الدولة أمام خيارات صعبة: رفع الأسعار ومنها أسعار المحروقات، أو مزيد من الاقتراض، أو تأجيل مشاريع التنمية.

المشكلة الأساسية إذن ليست غياب المقترحات المتعلقة بالمشاريع، بل غياب الإجابة الواضحة عن السؤال الاقتصادي المركزي: كيف ستنتقل تونس من اقتصاد يستهلك موارد ويعيد تمويل ديونه إلى اقتصاد ينتج الثروة ويوسع قاعدة موارده، والحال أنها مجبرة على الخضوع للنظام الرأسمالي العالمي؟

إن أخطر ما يواجه مخطط التنمية 2026-2030 هو أن يتحول إلى مخطط لتحسين شروط إدارة الأزمة بدل أن يكون مشروعًا للخروج منها. فالتنمية لا تبدأ من سياسة الاقتراض، بل من قدرة الاقتصاد على الإنتاج، ومن توزيع الثروة توزيعا عادلا بين الناس. وما لم تُعالج الاختلالات البنيوية المرتبطة بالإنتاجية، والطاقة، والتصنيع، والتصدير، والتوزيع، فإن أي مخطط، مهما كانت أهدافه، سيبقى معرضًا لأن يصبح حلقة جديدة في دورة المديونية بدل أن يكون بداية تحول اقتصادي حقيقي.

أما الحلول المطروحة، مثل القروض الربوية من المؤسسات المالية الدولية، فتؤدي إلى تراكم الديون وزيادة الأعباء دون معالجة جذرية للمشكلة، وهي مهما تزينت، تظل حلولا عقيمة لا تخرج عن الدائرة الاقتصادية الرأسمالية التي ندور فيها منذ عقود، وهي مأخوذة من النظام نفسه الذي أوجد هذه الأزمات وتسبب فيها، ألا وهو النظام الرأسمالي الذي هو أس البلاء، نظام فاسد بآلياته وقوانينه في عالم يعاني من ويلاته ويتطلع للخلاص من كوارثه.

إن الاقتصاد في العالم بحاجة إلى هيكلة جديدة والخروج من تحت وطأة الرأسمالية، فليس للعالم خلاص من ويلات النظام المالي الرأسمالي العقيم إلا من خلال نظام اقتصادي ومالي مبني على عقيدة الإسلام. قال تعالى: (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا). (طه-123،124).

وبما أن الإسلام كل لا يتجرأ، فلا يتأتى ذلك إلا بتطبيق الإسلام كاملا في دولة، هي دولة الخلافة الراشدة التي وعدنا بها رب العالمين وبشر بها النبي المصطفى الأمين صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.

CATEGORIES
Share This