
وثيقة بريطانية سرية.. تفضح صفقة « الاستقرار مقابل النهب » بين لندن و نظام بن علي
وثيقة بريطانية سرية.. تفضح صفقة « الاستقرار مقابل النهب »
بين لندن و نظام بن علي
كشفت وثيقة بريطانية رُفع عنها السرية أخيراً (المرجع FCO 93/8467) أن لندن كانت تراهن طوال تسعينيات القرن الماضي على «الاستقرار المطلق» الذي وفره نظام زين العابدين بن علي، في مقابل تغاضي شبه كامل عن القمع السياسي وانتهاكات حقوق الإنسان وحتى الفساد المستشري. التقرير الذي أعده السفير البريطاني في تونس آنذاك، ميمان تايت، ووجهه إلى وزير الخارجية دوغلاس هيرد في 16 يناير 1995، يصف كيف أن تونس تحولت إلى «جزيرة هادئة» وسط «العشرية السوداء» في الجزائر، لكنه يعترف ضمنياً بأن ثمن هذا الهدوء كان «خنق النقاش السياسي» و«معاقبة أي صوت معارض». وبعد مرور 31 عاماً، صارت هذه الورقة دليلاً على علاقة معقدة تمزج المصالح الاقتصادية والأمنية بمباركة غربية، انتهت بثورة 2011 التي أطاحت ببن علي وكشفت عن نهب منهجي لثروات البلاد تجاوز 13 مليار دولار، وفضيحة حقل «ميسكار» للغاز التي استفادت منها كبريات الشركات البريطانية.**
لندن ترى في «القبضة الأمنية» نموذجاً للنظام المثالي
تعترف الوثيقة بأن السمة الأبرز لتونس عام 1994 كانت «السيطرة الكاملة على التيارات الأصولية» بفضل رقابة صارمة جعلت «مظاهر التعاطف مع الأصوليين شبه معدومة». وتذكر أن بعض أغطية الرأس النسائية كانت تظهر أحياناً، لكن «اللحى الكثيفة أو النقاب لم تُرَ». ويتابع السفير تايت ببرود تقني: «الأولوية التي يمنحها التونسيون للاستقرار جعلت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مارس 1994 تحت السيطرة الكاملة للحكومة»، لدرجة أن بن علي حصل على 99.7% من الأصوات، بينما اقتصر تمثيل )المعارضة( في مجلس النواب على 19 مقعداً من أصل 163، وهو رقم يضمن «الحفاظ على السيطرة المطلقة».. لقد راهنت بريطانيا على أن القبضة الأمنية ستضمن ازدهاراً أبدياً، لكنها نسيت أن الفساد الذي رافق تلك القبضة سيأتي يوماً ليكشف أن « الاستقرار » كان مجرد غطاء لنهب تدريجي.
التناقض الغربي بين يواء « الأصوليين » في أوروبا وملف التطبيع خلال العشرية السوداء بالجزائر
تكشف الوثيقة البريطانية تناقضاً غربياً صارخاً: فبينما كانت تونس تخنق الإسلاميين داخلياً، أصبحت فرنسا المصدر الرئيس للأصولية التونسية بفضل جاليتها الكبيرة، ومع ذلك أشادت لندن بإجراءات باريس « الحازمة » ضد الأصوليين الجزائريين. في المقابل، منحت بريطانيا اللجوء لراشد الغنوشي عام 1993 مما أثار استياء نظام بن علي الذي اعتبره « أخطر الأصوليين »، في مشهد يعكس براغماتية متناقضة. واستغلت لندن « الكارثة الجزائرية » لتعزيز نفوذها العسكري في تونس، حيث أتاح القلق من تسلل المسلحين فرصة وجود ملحق دفاعي بريطاني دائم، وفتح الباب أمام صفقات أسلحة ومعدات مراقبة. أما على الصعيد الإقليمي، فاختتمت تونس استضافتها لياسر عرفات ومنظمة التحرير بعد 10 أعوام من الهدوء النسبي، بينما فشلت مغامرتها بالتقارب مع كيان يهود (بدفع أميركي) التي أثارت غضب ليبيا وأغلقت حدودها مؤقتاً، في دليل على سوء تقدير تونس لتعزيز موقعها الضعيف إقليمياً.
شبكة المصالح – من حقل »ميسكار » إلى ثروات بن علي المنهوبة
لم تكن الوثيقة البريطانية مجرد قراءة سياسية؛ كانت دليلاً على صفقة متبادلة: أمن تونس مقابل مشاريع بريطانيا. فبينما كان النظام يخنق خصومه، كانت لندن تدرس باهتمام « شراء معدات مراقبة إلكترونية وزوارق دورية » لتعزيز دفاعات تونس على الحدود الجزائرية. التعاون الدفاعي ازدهر، وأصبح للحرب في الجزائر فائدة غير متوقعة: « وجود ملحق دفاعي بريطاني بدوام كامل ». لكن السمة الأكثر دموية لهذه الشراكة كانت اقتصادية: تحت القبضة الأمنية، نهبت عائلة بن علي 13 مليار دولار (أكثر من ربع الناتج المحلي)، فيما كانت شبكات لندن المالية ملاذاً آمناً لغسل هذه الأموال.؛ لقد فشلت بريطانيا، حتى بعد الثورة، في استرداد سوى جزء ضئيل جداً من الأصول، وسط انتقادات منظمات الشفافية. أما فضيحة حقل « ميسكار » فتمثل جوهر الفساد: شركة « بريتيش غاز » استغلت الحقل الذي يزوّد تونس بـ 60% من احتياجاتها من الغاز لعقود في صفقة يشتبه بتدخل بن علي فيها مباشرة. ظلت الحكومة التونسية تتلقى عوائد بخسة، ولم تستعد ملكية الحقل بالكامل إلا في منتصف 2022. خلاصة القول: قبضة بن علي الأمنية لم تكن مجرد أداة قمع، بل كانت وكيل تسويق للشركات البريطانية، وإطاراً للإثراء غير المشروع الذي حمته لندن بصمتها المطبق.
ما بعد الثورة والبريكست – بريطانيا تعيد تعريف دورها في تونس
انهيار بن علي عام 2011 فاجأ لندن التي كانت تراهن على استقراره، لكنها سرعان ما تكيفت بحرفية. مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حوّلت لندن ضعف « النفاذ الأوروبي » إلى فرصة: وقعت اتفاقية شراكة ثنائية (2021) تضمن صادرات تونسية حرة، ونمت التجارة 20% لتصل إلى 750 مليون جنيه إسترليني، وزاد السياح البريطانيون 67.7%. وأطلقت تونس منصة « الزيتونة » من لندن لجذب استثمارات بقيمة 4 مليارات دينار. اليوم، وسط أزمة الناتو و »العلاقة الخاصة » المهتزة مع أميركا، تتحرك بريطانيا نحو « حلف أوروبي بريطاني » (مجموعة E5 ومحادثات الانضمام لاتحاد دفاع أوروبي) مما يجعلها أكثر استقلالية عسكرية. بالنسبة لتونس، هذا يعني تحولاً خطيراً: الملف الأكثر حساسية سيصبح الهجرة غير النظامية. لندن وأوروبا الموحدة ستضغطان على تونس لتكون « درك المتوسط » مقابل مساعدات مشروطة – نموذج شبيه باتفاق تركيا 2016، لتجد تونس نفسها في الأخير بين فكي كماشة: ببن حاجة اقتصادية ثمنها التصدّي لتدفق المهاجرين دون انهيار اجتماعي .
خاتمة: تونس ليست أداة، والغرب ليس وصياً
إذا كان هناك درس واحد تخرجه وثائق الأمس وتحالفات اليوم، فهو أن تونس لم تكن أبداً مجرد مسرح للمصالح الأجنبية. لقد صنع التونسيون ثورتهم بأنفسهم، ضد نظام كانت لندن وباريس تظنان أنه « حصان رابح ». وما كشفته وثيقة 1994 هو حجم التواطؤ: الغرب تغاضى عن القمع والنهب مقابل الاستقرار، ودعم « قبضة بن علي » بصفقات الأسلحة والاستثمارات. ثم بعد الانهيار، لم تتوقف بريطانيا عن المراوغة: تحالفت مع خصوم بن علي حين صعدوا، وعادت لتصطف مع الدولة العميقة حين تغيرت الرياح.
واليوم تعود بريطانيا في ظلّ تصدّع الناتو، للاصطفاف مع أوروبا تحت قناع «محاربة الهجرة غير النظامية» و«دعم الاستقرار الإقليمي»، لكن الوثيقة التي رفعت عنها السرية بعد 31 عاماً تدق ناقوس الخطر: تونس ليست أبداً مجرد ساحة لصفقات غربية، وشعبها دفع ثمناً باهظاً حتى يكتب نهاية هذا النموذج المُهين.
