
كلمة العدد العدد 589 من جريدة التحرير
الوعي … قبل شجاعة الشجعان
على سعة الآفاق السياسية التي فتحها صمود إيران أمام العدوان الهمجي للولايات المتحدة الأمريكية وكيان يهود عليها، وبعد أسطورة ثبات المجاهد الغزّي طيلة مجريات زلزال طوفان الأقصى الذي غير ثوابت المفاهيم السياسية، وعلى عظم المخاطر الاستراتيجية الجديدة التي فرضها الحدثان في منطقة الشرق الأوسط وخارجها، يعجب المتابع لمجريات الأحداث في المنطقة للغياب المفزع لأي أثر سياسي للكيانات القائمة فيها.
فنيران العدوان الأمريكي، والربيب، على إيران حولت المنطقة إلى شبكة من الجبهات المتداخلة لتشمل لبنان، سوريا، العراق، وكلّ الخليج العربي. بل إن تلك النيران خلخلت مسلمات حلف الناتو نفسه مما فرض تعديلا لخريطة انتشار قواته وفق المصالح الذاتية لكل عضو فيه، حتى طال أثرها الموقف الأمريكي بعد أن بات قسم هام من الرأي العام عندهم يرى في هذه الحرب حرباً بالنيابة عن كيان يهود، ولم تحرك كل تلك التطورات في حكام المنطقة ساكنا.
إن وقوع حكام البلاد العربية، وخاصة الخليجية والعراق، في قلب عاصفة حرب لم يوقدوا نارها، وأحرقهم حرّها، ورغم تعرض بلدانهم لأضرار مباشرة، وما ترتب على كل ذلك من هدر للطاقات، فلم يزيدوا إلا أن نصبوا من أنفسهم قوامين على أمن الطاقة العالمي، وأنهم على استعداد لتحمل فاتورة الحرب لإعادة توازنه.
كل هذه الآفاق السياسية التي عرّاها هذا العدوان لم تحرك في الأوساط السياسية في تونس شيء، ولم تغير نظرتهم للعلاقات الدولية. فظلت العواصم الأوروبية لدى كل هذه الأوساط هي المًعْلم الذي يُهتدى به في الملمات وفي الرخاء. فلم تر أطياف من المعارضة ضير في اللجوء إلى العدو ترجو عنده النصرة على الظلم الذي لحقها، في الوقت التي أثبت العدوان على إيران أن الثقة بالنفس والتعويل على المقدرات الذاتية هي المعايير الوحيدة للمنعة. لن يجد البرلمان الأوروبي، خدمة لمصالحه أفضل من أن يكون حكما بين سلطة تقر بعضويتها في منظمات دولية وإقليمية، وتجعل من قيم الغرب والمنبثقة عن وجهة نظره القاعدة التي تنضبط على أساسها تلك السلطة، وسائر المنظمات والكتل القائمة تحت سلطانها وبوجوب احترام حقها في عرض مواقفها.
فبين سلطة اعترفت بسيادة ما يقال عنه قانون دولي، وأقرت في دستورها بعلوية تلك القوانين على قوانينها المحلية، وبين أطر فكرية وسياسية، معارضة، تتبنى هي نفسها تلك القوانين، فلا معنى للحديث عن السيادة والخيانة من هذا الجانب أو ذاك.
فصمود إيران أمام العدوان الهمجي للولايات المتحدة الأمريكية، وثبات المجاهدين في غزّة، وبعد أن انكشفت القدرات العسكرية الحقيقية لأمريكا، ولجوء أمريكا إلى فخ المفاوضات، يكشف للأمة أن المعركة اليوم ليست في الميدان العسكري فحسب، بل في ميدان « المفاهيم »، فالسلاح الذي لا يحركه وعيٌ سليم يسقط تحت إدارة العدو الماكرة خاصة تحت طائلة التخلي عن الثوابت التي تفرضها المعالجات المنبثقة عن وجهة نظر الإسلام للحياة
وعلى هذا فإن على المسلمين عامة، وعلى الأوساط السياسية خاصة أن تدرك أن الصراع مع الهيمنة الغربية وكيان يهود لن تحسمه الوطنيات المضللة، ولا العصبيات النتنة، بل يحسمه مشروع الأمة الصادق الذي يقوم على استهداف تحريرها واستعادة سلطانها، ولن يكون باللجوء إلى أعدائها وابتغاء العزة لديهم.
يقول سبحانه وتعالى: » لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ » ـ الحشر ـ
