— الرؤيا الشرعية، بين الجرأة والتعالم على الله

— الرؤيا الشرعية، بين الجرأة والتعالم على الله

— الرؤيا الشرعية، بين الجرأة والتعالم على الله

      ليس غريبا أن تتجدد في كل عام، مع بداية شهر رمضان، جريمة تقسيم أمة الإسلام بدفعها نحو مزيد من الاختلاف والنفرة، وبمسوغات « فقهية »، في أمر كان من المفترض أن تجتمع عليه، وأن يقوّي الألفة بين أبنائها على اختلاف ألسنتهم وألوانهم. وإنما الغريب أن يتمخض عن ذلك الترقب الوجل الذي ينتاب الأمة قاطبة أياما وسويعات قبل غروب شمس آخر يوم من شهر شعبان، إعلان موحد ليوم صومها، أو ليوم إفطارها بعد أدائها منسك الصيام. فهي وقد ركنت، قبل ذلك، لتقسيم كيانها إلى بضع وخمسين مزقة، وجدت نفسها في متاهة تفسير حكم وجوب طاعة ولي الأمر. وهي التي لم تستعظم أن يرسم لها العدو بالمسطرة والقلم الحد الفاصل بين أبنائها، حتى صاروا أعداء متشاكسين، فأنى لها أن تنكر صومها أو فطرها، أو تبرره، على طرفي حدّ وهميّ فاصل بينها هنا وهناك؟ لن ترجح مشاعر الأمة الصادقة نحو شعيرة الصيام، وسائر شعائر الإسلام، وحرصها على حسن أدائها، بحرص كل حاكم على تفرّد سلطانه، بإثبات جدارته بالحكم، فيتخذ الموقف بناء على خلاف سياسي مع حاكم آخر، فتستدعى المؤسسات الرسمية للتأويلات الفقهية، ويجتهد في النظريات العلمية، والأبحاث الجغرافية، ويتغاضى عن المواقف المتناقضة للمؤسسة الرسمية الواحدة. فتكون فرقة الأمة الإسلامية، على هذا، هو الحال المتناسب مع وضعها، ولن تبرأ من علتها وتعود لها كينونتها الطبيعية المتسقة مع حقيقتها التي وصفها بها رب العزة في قوله الكريم:  » كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ  » إلا إذا استعادت وعيها بذاتها، وتحملت رسالتها التي أنيطت بها.

التقدم العلمي أغنى عن القول باختلاف المطالع

فقوله سبحانه وتعالى:  » شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِیۤ أُنزِلَ فِیهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدࣰى لِّلنَّاسِ وَبَیِّنَـٰتࣲ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡیَصُمۡهُۖ « ، قد حدّد مناط الحكم « بِشَهْرِ رَمَضانَ مِنَ السَّنَةِ العَرَبِيَّةِ القَمَرِيَّةِ هو الَّذِي جُعِلَ ظَرْفًا لِأداءِ فَرِيضَةِ الصِّيامِ المَكْتُوبَةِ في الدِّينِ، فَكُلَّما حَلَّ الوَقْتُ المُعَيَّنُ مِنَ السَّنَةِ المُسَمّى بِشَهْرِ رَمَضانَ فَقَدْ وجَبَ عَلى المُسْلِمِينَ أداءُ فَرِيضَةِ الصَّوْمِ فِيهِ، والشّهر وهو الجزء المعلوم من اثني عشر جزءا من تقسيم السّنة، ويبتدئ من ظهور الهلال إلى انمحاق النور واختفاء القمر تماماً، حيث يقع بين الأرض والشمس، وهو علامة انقضاء الشهر وبدء دورة جديدة. وجاء قوله صلى الله عليه وسلم: « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته » يحدد بداية ونهاية شهر رمضان بناءً على رؤية الهلال، مما يجعله إيذانًا ببدء الصيام ورمضان، فإذا تعذر رؤية الهلال بسبب الغيم، يُكمل شهر شعبان ثلاثين يومًا، لتمام حديثه صلى الله عليه وسلم: « فإن غُبِّيَ عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين يوماً ». وهذا خطاب لأمة يسعى بذِّمَّتِهِم أدناهم، فأكرمها ربها سبحانه وتعالى بأن جعل في عدالة أحدها كفاية لوجوب الحكم على الجميع. وعلى هذا يبطل حكم اختلاف مطالع الأهلة بسقوط مناطه، بعد أن تقاربت الأمصار ببلوغ القول والرأي في حينه مع هذا التقدم العلمي وشيوع وسائل الاتصال في كل الأمصار فلم يعد من وجه لأن يجعل لكل بلد حكمه.

علم المرء ليس دليلا على شرع الله

     غير بعيد عن الحقيقة القول بأن العلم هو اكتساب المعرفة حول الكون الفيزيائي ومكوناته (كائنات، طاقة، ظواهر) أي كشف القوانين الطبيعية لمجالات كالفيزياء، الكيمياء، والأحياء. فالعلم بهذا لا يعدو أن يكون محاولة الإنسان معرفة واكتشاف بعض ما أودع الله من أسرار في خلقه، فكيف لعاقل أن يضع العلم، سنن الله في خلقه، ضديدا لأمر الله وشرعه؟ وإذا كان الإنسان المخلوق لله سبحانه لم يع من أسرار العلم إلا ما لا يتعدى، على قول من يقول، 0.8 إلى 1بالمائة!! فالله البديع سبحانه وتعالى بين لنا في محكم التنزيا أن «  ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ بِحُسۡبَانٖ

 » وأمرنا تبارك وتعالى بقوله: « أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ (8)

وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ (9)

«  ـ الرحمن ـ فكيف لعاقل أن يطغى في القول، فيحادّ الله، وقد سمع أن رسول الله سأل أعرابياً شهد برؤية الهلال: « أتشهد أن لا إله إلا الله؟ » و »أن محمداً رسول الله؟ »، فلما قال: نعم، أمر بلالاً أن يؤذن في الناس بالصيام.

فأنّى المهرب، لمن قال باتباع مفتي وطنيته، وإن غمّي عليه، وقد رأى عدول المسلمين الهلال خارج الحد الذي رسمه له سايكس بيكو؟

CATEGORIES
Share This