القِوامة في الأسرة: بين الشرع الحنيف والتأويلات المعاصرة

القِوامة في الأسرة: بين الشرع الحنيف والتأويلات المعاصرة

القِوامة في الأسرة: بين الشرع الحنيف والتأويلات المعاصرة

تُعدّ الأسرة في الإسلام نواةً أساسيةً في بناء المجتمع، لذلك وضع لها الشرع الحنيف مجموعة من القيم والتشريعات التي تنظم العلاقات بين أفرادها، وتضمن تماسكها واستقرارها. حيث جاء الاسلام بأحكام شرعية تقوم على توزيعٍ متكامل للأدوار والمسؤوليات، بما يحقق التوازن داخل الأسرة، ويمنع أسباب الاضطراب والتفكك. ومن أبرز هذه الأحكام الشرعية التي قررها الشرع: مفهوم القِوامة، بوصفه نظامًا يضبط قيادة الأسرة ويحدد الجهة التي تتحمل المسؤولية فيها، على أساس من التكليف والعدل، لا من التسلّط والقهر.

غير أنّ هذه النظرة الشرعية فقدت تبلورها بسبب الغزو الثقافي الذي استهدف الاسلام عقيدة ونظاما من أجل إبعاد المسلمين عن دينهم وإضعاف مفاهيم الاسلام في نفوسهم، ومن ذلك مفهوم القِوامة. حيث برزت اتجاهات تربط القِوامة بالإنفاق المادي ربطًا يجعلها قابلةً للتبدّل بين الرجل والمرأة تبعًا لتغيّر القدرة الاقتصادية، ويُقدَّم هذا الطرح في سياق مواكبة التحولات الاجتماعية المعاصر، وضرورة إعادة تشكيل الأدوار داخل الأسرة حتى لو خالفت أحكام قطعية كحكم القوامة، وهو ما أدى إلى إضعاف التماسك العائلي، إذا فُقدت المرجعية الواضحة في القيادة وتحمل المسؤولية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تناول هذه القضية لتصحيح المفاهيم، والتمييز بين ما هو ثابت بالنص الشرعي وما هو دخيل ومتأثر بالفكر الغربي والغزو الثقافي.

وانطلاقًا من ذلك، يتناول هذا المقال مفهوم القِوامة كما قررته النصوص الشرعية، مع بيان حقيقته وحدوده، والرد على أبرز الإشكالات المثارة حوله، خاصة ما يتعلق بحصره في جانب الإنفاق أو القول بإمكانية انتقاله بين الزوجين.

تُعدّ القِوامة من المفاهيم الشرعية التي أُسيء فهمها في الخطاب المعاصر، حيث صُوِّرت أحيانًا على أنها امتياز ذكوري أو أداة تسلّط، وصُوِّرت أحيانًا أخرى على أنها وظيفة اقتصادية محضة مرتبطة بالإنفاق فقط. والحقيقة أن القِوامة في الإسلام حكمٌ شرعيٌّ منضبط، لا يُفهم إلا في إطار التصوّر الإسلامي للأسرة، القائم على التكامل الوظيفي بين الرجل والمرأة، لا على الصراع أو التماثل.

لقد نصّ القرآن الكريم صراحة على أن القِوامة للرجل، فقال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، وهذا النصّ يُنشئ حكمًا شرعيًا ثابتًا، لا توصيفًا اجتماعيًا قابلًا للتبديل بتبدّل الظروف. فالقِوامة ليست نتاج أعراف تاريخية ولا موازين اقتصادية، وإنما تكليف شرعي للرجل بالقيام على شؤون الأسرة رعايةً وتنظيمًا وحفظًا، مع تحمّل التبعات والمسؤوليات المترتبة على ذلك.

ولا تعني القِوامة تفضيلًا في الكرامة أو القيمة الإنسانية، فالتفاضل عند الله إنما هو بالتقوى، وإنما تعني تفضيلًا في الوظيفة والتكليف. فالرجل مُكلّف بقيادة الأسرة، قيادة إدارة وليست قيادة حكم وتسلط، فجعل للرجل حق اتخاذ القرار ولكن  في إطار الشريعة، وعليه أن يتحمل نتائج هذا القرار، وهو ما يقتضي أهلية خاصة وقدرة على المواجهة والصبر وتحمل الأعباء.

وقد بيّن القرآن الكريم سببين رئيسيين للقِوامة، فقال تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. فالتفضيل هنا تفضيل وظيفة لا تشريف، أما الإنفاق فهو واجب شرعي لازم على الرجل، يشمل النفقة والسكن والكسوة وسائر الحاجات الأساسية، وهو أحد أسباب القِوامة لا سببها الوحيد.

ومن الخطأ حصر القِوامة في الإنفاق فقط، لأن الآية نصّت على أكثر من سبب، ولو كانت القِوامة عقدًا ماليًا محضًا لانتقلت بتغيّر المنفِق، لكنها في حقيقتها حكم شرعي مرتبط بعقد الزواج وبالنظام الأسري الذي قررته الشريعة، لا بحجم الدخل أو مصدره.

أما المرأة، فالأصل في الشريعة أنها غير مكلّفة بالإنفاق، ولو كانت غنية أو عاملة، ومالها ملك خالص لها لا يجب عليها أن تنفق منه على زوجها أو أسرتها. فإن أنفقت، فذلك تبرّعٌ وإحسان تؤجر عليه، أو اتفاق رضائي لا يُغيّر من الأحكام الشرعية شيئًا، ولا يُنشئ لها حقّ القِوامة.

وعليه، فإن إنفاق المرأة ـ مهما بلغ ـ لا يجعل القِوامة لها، ولا ينقلها من الرجل إليها، ولا يجعلها مشتركة بين الطرفين. فالقِوامة لا تُعلَّق على الراتب، ولا تُربط بالقدرة المالية وحدها، بل هي ثابتة للرجل بنصٍّ قطعي في هذا الباب.

وإذا عجز الرجل عن الإنفاق، وجب التفريق بين العجز الحقيقي المؤقت وبين التقصير أو الامتناع بغير عذر. فإن كان العجز حقيقيًا، بقيت القِوامة له مع إلزامه بالسعي، وإن قصّر أو امتنع كان آثمًا، وللمرأة حقّ المطالبة بحقوقها أو طلب فسخ عقد الزواج، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : خير الصدقة ما كان منها عن ظهر غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول ، فقيل : من أعول يا رسول الله ؟ قال : امرأتك ممن تعول ، تقول : أطعمني وإلا فارقني. وفي جميع الأحوال، لا تنتقل القِوامة إليها، بل تُرفع المظالم بوسائل شرعية أخرى دون قلب للأحكام.

وخلاصة القول إن القِوامة في الإسلام ليست امتيازًا ذكوريًا ولا سلطةً مطلقة، بل هي تكليف ومسؤولية ثقيلة، ربطت بالواجبات، وجُعل صاحبها محاسبًا أمام الله. وكل طرح يجعل القِوامة متبادلة، أو مشروطة بالإنفاق فقط، أو قابلة للنقل بين الزوجين، هو طرح يصادم النصّ القرآني الصريح ويُفرغ النظام الأسري في الإسلام من حكمته ووظيفته.

د. الأسعد العجيلي

 

CATEGORIES
Share This