الغضب بوصلة … لا سلاحا يشهر في غير الإتجاه

الغضب بوصلة … لا سلاحا يشهر في غير الإتجاه

 ستطل القضايا المغلوطة التي يطرحها القائم على شأن الناس العام، تلك الشجرة التي تخفي غابة الشرور التي تعصف بالحقيقة، فيتمترس خلفها الجهلة والمضللون للعبث بالرأي العام، وتغييب تلك الحقيقة عنه.

      ففي الوقت الذي عمقت فيه أزمة الانقطاعات المتكررة للكهرباء، في ظل ارتفاع درجات الحرارة غير المسبوقة، ونقص المياه في بعض المدن وسائر المناطق القروية والريفية، مآسي التونسي، التي جرتها عليه سلط تعاقبت على حكمه، فلم ير منها خيرأ، جاءت تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يوم 28 جويلية الماضي، خلال لقائه الدوري مع وسائل الإعلام المحلية لتعمق أزماته، وتذكي خلافاته الداخلية. ففي معرض حديثه عن الوضع في تونس، قال تبون: « من يحاول جلب الإرهاب إلى تونس أو إلى جوار تونس نخلولو خيمة والديه »، ففتح أمام الناس في تونس بابا آخر على جحيم حياتهم الضنكة، حيث أشعلت تصريحاته هذه حمى « الحميّة الوطنية الزائفة »، بين من رأى فيها دعما أمنيا من الأخت الكبرى، وتأكيداً لموقف واضح تجاه جارتها الشرقية، وبين من اعتبرها تدخلاً في شؤونها الداخلية، وتحمل في طياتها تهديدات غير مباشرة بالتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، ودعما وحماية لسلطة قيس سعيد ضد خصومه السياسيين.

     فهذا الحدث السياسي يجب أن لا ينظر إليه من أحقية الرئيس تبون بالتدخل في شأن داخلي للبلاد التونسية بالتأثير في إرادة الشعب التونسي وخياراته السياسية، من عدمها، إذ أن كل مسلم يملك حق الاهتمام بأي شأن من شؤون المسلمين، وأن يبدي الرأي فيه، وأن يعمل على إزالة المنكر أينما وجد في بلاد الإسلام، بل إن ذلك من أوكد واجباته، لقوله تعالى « وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ » {التوبة:71}، وقوله صلى الله عليه وسلم: « المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم« 

   إلا أن زاوية التعاطي مع هذا الحدث تأتي من إشارته إلى موضوع الإرهاب الذي يعمل على جلبه إلى تونس، والجهة التي تعمل على ذلك، حيث أن خطابه كان على أعلى درجات الشدة تجاه الجهة المتهمة، وأنه يكاد يفصح عن تلك الجهة حين أشار إلى « دويلة »، متهما إياها « بإزهاق الدماء أينما حلّت » دون أن يذكر اسمها.

   أما حديثه عن الإرهاب فهو من أعلم الناس بمادته، ولحمته وسداه، وأنه الحق التجاري الخالص لأمريكا، ولمن ركن إليها وانخرط في مشروعها في الحرب على أمة الإسلام ودينها، وعلى كل من سعى ويسعى لاستئناف الحياة الإسلامية، وذلك بإعادة مبدإ الإسلام إلى المجال الدولي. وهو من أعلم الناس بأن امة الإسلام والمسلمين براء من الإرهاب الذي ترعاه القوى الاستعمارية الكافرة، بل هي أخص ضحاياه، وهو يعلم يقينا أن من أبناء الأمة من وقعوا في حبائل هذا الطاعون بالمعنى السياسي الذي تحرص أمريكا على تثبوم 20يته لدى الرأي العام الدولي ما هم إلّا صنائع لمخابراتها، تبعا لضعفهم الفكري وقلة وعيهم بالواقع السياسي الذي يعصف بالبشرية.  

    إلا أن الحديث عن السعي الجاد لحماية تونس والجزائر من هذا الطاعون، وهو أمر لا يحمده إلا مخلص لأمته، ليتصادم مع إعلان سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في الجزائر يوم 20 جويلية 2026 عن افتتاح مكتب فرعي للملحق القانوني التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) داخل مقر السفارة بالعاصمة الجزائرية، والتي كانت تدار مصالحه من سفارتهم بتونس.

    هل يجهل أي متابع لشؤون منطقتنا، وللسياسة الدولية عامة، إصرار أمريكا على بسط نفوذها على شمال إفريقيا والعمل على كنس النفوذ الاستعماري الأوروبي منه، فكيف يفتح لاهم جهاز استخبراتي يقوم على تنفيذ خطط الدولة الاستعمارية الأولى في العالم، ثم نحاول أن نقنع أنفسنا بان تلك الدويلة هي التي تشكل خطرا علينا وهي لا تعدو إلا ان تكون ذيلا في صراع القوى الكبرى خدمة لأهدافها؟  

    أما صيغة الخطاب الحاسمة، والمنذرة بالويل والثبور، فكنا نرجو لو أنها نزلت إلى ساحة النزال حين كان أهلنا في غزة وسائر الأرض المباركة فلسطين، يبادون وتمحى أصولهم وفروعهم من الوجود، حيث لا ينالهم من قادة بلداننا غير الخذلان. بل إن سائر أمتنا، هي أحوج ما تكون لمثل هذه الغضبة التي نرجو أن تكون صادقة، عساها ان يصيب أهلنا في تركستان الشرقية وفي سائر بلاد المسلمين من بركتها، حتى لا تضللنا القضايا المغلوطة!     

 

CATEGORIES
Share This