
حاجة الأمة إلى الخلافة كحاجة الضمآن إلى الماء
كحاجة المريض إلى الدواء، وحاجة الجائع إلى الطعام، وحاجة التائه إلى الدليل، وحاجة المظلوم إلى العدل، وحاجة القلب إلى الإيمان، وحاجة الأرض المجدبة إلى الغيث،تأتي حاجة الأمة الإسلامية إلى الخلافة. بل هي كحاجة الضمآن إلى الماء، إذ لا حياة له بدونه، ولا نجاة لمن حُرم منه.
لقد اعتاد كثير من الناس أن ينظروا إلى الخلافة بوصفها قضية تاريخية أو شعارًا عاطفيًا، بينما حقيقتها أنها ضرورة شرعية وسياسية وحضارية للأمة الإسلامية. فالأمة اليوم تعيش حالة من التمزق والضعف لم تعرف لها مثيلًا منذ هدم الخلافة سنة 1924م، وتفرقت بلاد المسلمين إلى دويلات متناحرة، تخضع في سياساتها واقتصادها وأمنها لإرادة الدول الكبرى.
أمة واحدة وحدود كثيرة
أنزل الله الإسلام ليجعل المسلمين أمة واحدة، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾. لكن الواقع اليوم أن المسلم إذا انتقل من بلد إلى بلد عومل كأنه أجنبي، وأُغلقت في وجهه الحدود، وارتفعت بين المسلمين رايات القومية والوطنية والعرقية، حتى صار المسلم في بعض الأحيان أقرب إلى غير المسلم في بلد آخر من أخيه المسلم.
هذه الحدود لم تصنعها الأمة، وإنما فرضها الاستعمار لتمزيق قوتها ومنع وحدتها. والخلافة وحدها هي التي تعيد جمع المسلمين تحت راية واحدة وقيادة واحدة.
فلسطين و سائر بلاد المسلمين… جرح الأمة المفتوح
من أعظم الأدلة على حاجة الأمة إلى الخلافة ما يجري في فلسطين. فالمسجد الأقصى يُدنَّس، وأهل غزة يُقتلون ويُحاصرون، والضفة تُستباح، بينما تقف عشرات الجيوش الإسلامية عاجزة أو ممنوعة من التحرك.
هل ينقص الأمة الرجال؟ كلا. هل ينقصها السلاح؟ كلا. هل ينقصها المال؟ كلا. وإنما ينقصها الكيان السياسي الذي يوحّد هذه الطاقات ويوجهها لنصرة المسلمين. ولو كانت للأمة خلافة واحدة لما بقي الاحتلال يومًا واحدًا مطمئنًا إلى هذا التشتت.
ثروات الأمة تُنهب
تملك بلاد المسلمين أعظم الثروات في العالم: النفط، والغاز، والمعادن، والأراضي الزراعية، والممرات البحرية، والأسواق الضخمة، والطاقات البشرية الهائلة. ومع ذلك يعيش ملايين المسلمين تحت خط الفقر، ويهاجر شبابهم بحثًا عن لقمة العيش، وتغرق دولهم في الديون والبطالة والتضخم.
إن المشكلة ليست في قلة الموارد، بل في النظام الذي يجعل ثروات الأمة مرهونة للشركات الأجنبية والبنوك الربوية والمؤسسات الدولية.
والخلافة، تعيد الثروات إلى ملكية الأمة، وتمنع استغلالها لصالح القوى الاستعمارية
.
أزمة الهوية والفكر
يعاني الشباب المسلم من أزمة هوية خطيرة،فالمناهج التعليمية والإعلام والثقافة السائدة تُربّي الأجيال على تقديس النموذج الغربي، وتُصوّر الإسلام على أنه مجرد عبادات فردية لا علاقة لها بالحكم والسياسة والاقتصاد.
فنشأ جيل ممزق بين دين يؤمن به، وواقع يُفرض عليه. وهذه الأزمة لا تُحل بالخطب العاطفية وحدها، وإنما بوجود دولة تجعل الإسلام أساس الحياة كلها، فتربّي الأجيال على عقيدة صحيحة وفكر إسلامي واضح.
الظلم والاستبداد
كم من مسلم سُجن لأنه قال كلمة حق، وكم من عالم أو داعية أو مصلح ضُيّق عليه لأنه دعا إلى الإسلام! إن الأنظمة القائمة تحكم بقوانين وضعية وتستمد شرعيتها من القوى الدولية، ولذلك تخشى كل مشروع يوحّد الأمة ويعيد سلطان الإسلام.
أما الخلافة فهي نظام يقوم على رعاية شؤون الناس بأحكام الشرع، ويجعل الحاكم مسؤولًا أمام الله ثم أمام الأمة، لا سيدًا متسلطًا عليها.
تمزق الجيوش الإسلامية
تمتلك الأمة جيوشًا ضخمة وأسلحة متطورة، لكنها موزعة على دول متفرقة، وبعضها يُستخدم لحماية الأنظمة أو لخوض صراعات داخلية، بينما يبقى العدو الحقيقي آمنًا مطمئنًا.
إن الخلافة توحّد هذه الجيوش في جيش واحد، وتجعل قوتها موجهة لحماية الأمة ومقدساتها، لا لخدمة المصالح الأجنبية.
لذلك يرى حزب التحرير أن سبب هذه الأزمات كلها هو غياب الحكم بالإسلام وغياب دولة الخلافة. ولذلك جعل غايته استئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
ويؤكد الحزب أن طريق إقامة الخلافة ليس بالعنف العشوائي ولا بالعمل المسلح، وإنما باتباع طريقة رسول الله ﷺ؛ وذلك من خلال:
بناء كتلة مؤمنة واعية تحمل الإسلام حملًا صحيحًا.
التفاعل مع الأمة لتبني الإسلام مشروعًا للحياة.
طلب النصرة من أهل القوة والمنعة لإقامة الدولة الإسلامية.
رفض المساومة على أحكام الإسلام أو المشاركة في الأنظمة التي تقوم على غيره.
و بذلك تكون إقامة الخلافة فكرة لها طريقة ثابتة مستنبطة من سيرة خير الرجال و لم تكن حلما مستحيلا و لا فلسفة خيالية و الدليل أن الرسول ﷺ أقام دولة الإسلام في المدينة بعد سنوات من الصبر والعمل والدعوة، ثم حمل الصحابة هذا الدين حتى وصلت دولته إلى مشارق الأرض ومغاربها. وما دام الإسلام موجودًا، والأمة موجودة، فإن مشروع الخلافة باقٍ في وجدان المسلمين.
إن الأمة اليوم كالمسافر الذي أنهكه العطش في صحراء قاحلة؛ قد جرّبت القومية، والاشتراكية، والرأسمالية، والديمقراطية، والتحالف مع الغرب، فلم تجد إلا مزيدًا من الضعف والتبعية. ولم يبق أمامها إلا أن تعود إلى نظامها الذي أنزله الله لها.
ختاما
إن حاجة الأمة إلى الخلافة ليست ترفًا فكريًا ولا شعارًا سياسيًا، بل هي حاجة وجودية؛ كحاجة الضمآن إلى الماء، وكحاجة الجسد إلى الروح. فبها تتوحد الأمة، وتُصان المقدسات، وتُحرر الثروات، وتُحفظ الهوية، ويُقام العدل، ويُحمل الإسلام رسالة رحمة للعالمين.
وسيظل المسلمون يتطلعون إلى يوم تعود فيه الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، يوم يجتمع شمل الأمة تحت راية واحدة، ويعود للإسلام سلطانه، وللمسلمين عزهم، وللبشرية نور هدايتها.
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا
كتبها يوسف حباشي لجريدة التحرير
