مؤتمرات حزب التحرير… والثبات على العهد

مؤتمرات حزب التحرير… والثبات على العهد

بسم الله الرحمن الرحيم

     لئن كادت الأحزاب السياسية في العالم تجمع على أن الهدف من مؤتمراتها التي تعقدها دوريا هو تعديل صياغة التوجهات الفكرية، في كل مرة بحسب ما يقتضيه الواقع السياسي، وتحديد البرامج السياسية للمرحلة الزمنية الموالية لمؤتمرها. وقد تتخذ من تجديد هياكلها القيادية محفزا للنقاش الداخلي، وتثبيتا للالتزام التنظيمي، من أجل التواصل مع الجمهور لتحفيز المشاركة السياسية، إلا أن حزب التحرير يكون استثناء بين كل الأحزاب السياسية في العالم. فمنذ نشأته وبعد أن عرّف نفسه كونه  » حزب سياسي مبدؤه الإسلام. فالسياسة عمله، والإسلام مبدؤه، وهو يعمل بين الأمة ومعها لتتخذ الإسلام قضية لها، وليقودها لإعادة الخـلافة والحكم بما أنزل الله إلى الوجود. فقد حدّد بذلك قضيته كونها استئناف الحياة الإسلامية بعد إسقاط دولته عن طريق أعدائها. وعلى هذا بات حزب التحرير ملزما بالعمل لإعادة دولة الخـلافة والحكم بما أنزل الله إلى الوجود، لأن الله سبحانه وتعالى قد أوجب على المسلمين التقيد بجميع الأحكام الشرعية، وأوجب عليهم الحكم بما أنزل الله، ولا يتأتى ذلك إلا بوجود دولة إسلامية، وخليفة يطبق على الناس الإسلام.

     ولئن كانت قيادة حزب التحرير وشبابه يدركون يقينا أن المؤتمرات ليست من طريقة إيجاد فكرته في الواقع، إذ هي أحكام شرعية، تؤخذ من طريقة سير الرسول ﷺ في حمله الدعوة لأنه واجب الاتباع، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[آل عمران: 31]، وكثير غيرها من الآيات الدالة على وجوب اتباع الرسول ﷺ والتأسي به والأخذ عنه، فإن إصرار الحزب على عقد مؤتمرات سنوية في مختلف ولاياته التي تيسر له الظروف السياسة عقدها، فإنه يدرك تماما أنها أسلوب من أساليب تبليغ فكرته للأمة عن اللحظة السياسية التي تمر بها والعالم، وعن الموقف الذي عليها أن تتخذه تجاهها.

     وبناء على ما تقدم فقد يسرت عناية الله ولطفه، لحزب التحرير ولاية تونس، عقد مؤتمره السنوي لسنة 1447 ه الموافق لسنه 2026 م، بقصر مؤتمرات الحزب، تحت عنوان: « بالخلافة نواجه الهيمنة الأمريكية وننقذ العالم من حضارة إبستين والحداثة« ، في محاور رئيسية ثلاث:

ـ 1 ـ نهاية الديمقراطية والحداثة وسقوط حضارة إبستينمناقشة مخرجات وأزمات نظام الدولة الحديثة.

ـ 2 ـ الإسلام والخلافة… نحو نظام دولي جديدطرح رؤية بديلة للهيمنة الدولية.

ـ 3 ـ التحام الدعوة بالنصرة واشراق شمس الخلافةالحل الشرعي والاستراتيجي

     فقد بينت كلمات المؤتمرين فقدان المسلمين كل عز وسؤدد بعد هدم خلافتهم، حتى باتوا « كالأيتام على مآدب اللئام »، تتقاذفهم الدول العظمى والكبرى، تحت حكام عملاء للغرب.

     وقد كشفت كلماتهم حقيقة أمريكا التي فضحت أحداث طوفان الأقصى، ثم الصمود الأسطوري للمسلمين في إيران حقيقة قوتهم التي طغوا بها على أمم الأرض وشعوبها، حيث أن تلك القوة لم تزد على أن تكون مادة صماء تفتقد إلى الرجال الرجال، فالمسألة بالرجال خلف السلاح لا بالسلاح نفسه!  

     ثم حملت كلمات المؤتمر الأمة وخاصة علماءها وأهل القوة فيها، فرض التصدي للخطة الأمريكية التي أعدّتها للمنطقة، بوصفها مشروعا استراتيجيا متكاملا للهيمنة، بكل أبعاده العسكرية والسياسية والاقتصادية والفكرية، منعا لأي تحول جذري يسعى إليه المخلصون الواعون من أبنائها.

     وقد بيّن المحاضرون أنّ مشروع الخلافة على منهاج النبوة ليس رد فعل عاطفي أو ثأر يرجى الأخذ به، بل هو نظام حكم متكامل، لن يستقيم أمر البشرية إلا به، وهو مشروع أمة، يبدأ ببناء الوعي السياسي العام، وكشف طبيعة الصراع، بالعمل السياسي المنظم مع الأمة وأهل القوة فيها لإقامة الحكم بما أنزل الله.

يقول الحق تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24ـ الأنفال ـ

CATEGORIES
Share This