كلمة العدد 605 من جريدة التحرير

كلمة العدد 605 من جريدة التحرير

بين موجة الغضب وأزمة الحكم… لن يُجدي الترقيع، ولن يُغني عن التغيير

من حراك «نَفَس» إلى غضب المعارضة « الديمقراطية »، إلى موجات الاحتجاج المتصاعدة في الجهات، لم يعد الغضب التونسي حالة عابرة يمكن احتواؤها بخطاب سياسي أو زيارات فجائية أو مسكنات ظرفية. لقد بلغ الاحتقان حدًّا يكشف عمق العطب: أمٌّ مكلومة تحتج تحت لهيب الشمس الحارة من أجل الماء والكهرباء والدواء والبنزين ومن أجل العمل والكرامة، بينما تنشغل النخب بصراعها على السلطة، وتتصارع المعارضة على إسقاط الرئيس دون أن تقدم مشروعًا متكاملًا لما بعده.

صورة تلخص حجم الكارثة: بلاد تغلي من الأسفل، ونخب تتنازع من الأعلى، وبينهما شعب يدفع فاتورة عجز الجميع عن تقديم مشروع إنقاذ حقيقي، حتى كاد يُطحن طحنا.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن يتحول هذا الغضب الشعبي إلى مجرد تفريغ للشحنات يفقد أثره مع الزمن، ثم يُعاد إنتاج المنظومة نفسها بوجوه جديدة وشعارات جديدة. فإسقاط حاكم لا يعني إسقاط منظومة، وتغيير الدستور لا يعني تغيير واقع، وإعادة الانتخابات لا تعني بالضرورة إعادة القرار إلى الشعب. إن لم يتغير أساس الحكم والاقتصاد والاجتماع، وطراز العيش في بلادنا، فلن يكون التغيير إلا ترقيعًا جديدًا لثوب أنهكته عقود من الوهم في ظل دولة الحداثة.

والأشد تناقضًا أن السلطة ترفع شعار «الشعب يريد»، بينما لا تقدم للشعب مشروعًا واضحًا يترجم هذه الإرادة إلى عدل وتنمية وسيادة وكرامة؛ ومعارضة متناقضة، تجمع الإسلاميين واليساريين والليبراليين وغيرهم، لا يكاد يجمعها إلا رفض الرئيس، وكأن إسقاط الحاكم أصبح بديلًا عن امتلاك مشروع للحكم، والأصل أن تعتبر المعارضة من فترة ما بعد بن علي.

أما الإسلام، عقيدة هذا الشعب وهويته الحضارية، فقد جرى اختزاله إلى هوية ثقافية تُستحضر في المناسبات، بينما يُقصى عن صناعة التشريع والاقتصاد والسياسة، مع أن القرآن يقول: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (النساء:105).

إن تونس لا تحتاج إلى ترقيع جديد، ولا إلى استبدال نخبة بأخرى، ولا إلى إعادة إنتاج منظومة مفسلة أثبتت عجزها. إنها تحتاج إلى تغيير جذري واعٍ، تشترك في صياغته كل النخب والفئات العمرية والقوى الحية في المجتمع، ويستند إلى الإسلام باعتباره عقيدةً ومنظومةً للعدل والحكم والمجتمع، لا مجرد خلفية ثقافية تستدعى عند الضرورة.

فالمطلوب ليس أن نُسقط هذا الطرف لنُمكّن ذاك، وإنما أن نكسر الحلقة التي أعادت إنتاج الأزمة مرة بعد مرة، وإلا فإننا لا نحرر إرادتنا، بل نعيد تمكين الاستعمار من رقابنا بأيدينا.

وكما نسب إلى إبراهيم بن الأدهم قوله: نُرَقِّعُ دُنيانا بتمزيقِ دينِنا  ***  فلا دينُنا يبقى ولا ما نُرَقِّعُ

لقد آن الأوان أن يتحوّل الغضب إلى وعي، والوعي إلى مشروع، والمشروع إلى تغيير حقيقي. فالثورة التي لا تغيّر أساس الواقع ليست إلا استراحة قصيرة بين أزمتين. ومن هنا، فإن دعوتنا إلى أهل الزيتونة وكل القوى الحيّة في تونس هي أن يتجهوا نحو تغيير جذري مُستمد من الإسلام، عقيدةَ الأمة ومصدرَ عزّتها، وأن يرفعوا صوتهم واضحًا مدويًا: نعم للخلافة، ولا لدولة الحداثة.

فليكن البذل والتضحية والثبات في سبيل مشروع يعبّر عن عقيدة الأمة ويعيد لها سلطانها، لا في سبيل ديمقراطية أثبتت، في ظل المنظومة الرأسمالية، عجزها عن إخراج الناس من الفقر والتبعية والاستغلال.

إن تونس لا تحتاج إلى إعادة تدوير الأزمة، ولا إلى ترقيع منظومة أنهكها الصراع، وإنما تحتاج إلى قطيعة واعية مع أسباب التبعية، وإلى مشروع يعيد للإسلام مكانته في توجيه شؤون الحكم والمجتمع والاقتصاد، ويجعل التغيير انتقالًا حقيقيًا من واقع رأسمالي أليم إلى مستقبل إسلامي عظيم. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. (آل عمران: 126).

CATEGORIES
Share This