بين مسئول الباجي الكبير، وغرف المرزوقي الخارجية،  ماذا أخفى عنا بقية رؤساء، حكمونا؟؟

بين مسئول الباجي الكبير، وغرف المرزوقي الخارجية،  ماذا أخفى عنا بقية رؤساء، حكمونا؟؟

      من كان له بقية وهم من استقلال، فقد بدد وهمه من تولّى فينا  » الصدارة العظمى « ، فلينظر من سينتخب غدا!!

      بعد زلة لسان الرئيس التونسي الراحل الباجي قائد السبسي، خلال افتتاحه الدورة 30 لـ « أيام المؤسسة » بسوسة في ديسمبر 2015، حين كشف عن تلقيه اتصالاً من « المسؤول الكبير » عاتبه فيه على الأزمة الداخلية لحزبه « نداء تونس » قائلاً له: « أنت موجود وهذا يحدث! »، وحتى بعد أن عمق زلته تلك بفضحه الوسط الرسمي المحيط به، حين تدارك سقطته، بأنهم يعرفون « المسئول الكبير » ذاك، مرّ الحدث وكأن شيئا لم يكن، وعدّت الكارثة كإحدى مُلَح السبسي و »شقاواته!! » المريب في الأمر حينها، هو صمت الأموات الذي ألجم الأوساط السياسية والفكرية، والتي عملت بشكل مريب على تجاهل الحادثة، على خطورتها، وعلى وأد الحديث في هذا الشأن.

      إلا أن كرة « النار » التي ألقاها السبسي أبت حممها أن تنطفئ، حيث لم يعمل ذوي الرأي في البلاد على إطفائها، وتحديد الموقف من موضوع التدخل الأجنبي في بلادنا، فكان حديث الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي، إلى قناة فرنسية هذا الأسبوع، عن البدائل التي تُعدّ في الغرف المغلقة خارج تونس، لمن سيحمها، ويتولى منصب الرئاسة فيها. إلا أنه لما راجعته المذيعة مستفسرة في أمر الغرف الخارجية التي تعد لمن سيرأس البلاد، تدارك موقفه بمناكفة سياسية، حين قال:  » للأسف الشديد تونس فقدت استقلالها بعد الانقلاب« ، ليعود مقرا بنسبية استقلال البلاد عنده، بقوله: « هو كان استقلال نسبي ».  

      وأمام هذا التأكيد الذي ورد على لسان الرئيس الأسبق المرزوقي لما سبق ان كشفه الرئيس السابق السبسي من أن أمرنا ليس إلينا، يأتي بيان وزارة الخارجية التونسية في معرض الرد على حوار المرزوقي مع القناة الفرنسية، مكتفيا بإبلاغ السفيرة الفرنسية لدى تونس، احتجاجًها الرسميً، شديد اللهجة، على خلفية المقابلة، كأن الأمر متعلق بمارق عن القانون. إنه وإن وقع الإشارة إلى « المساس بسيادة الدولة التونسية »… فإن البحث في مسألة « حرية التعبير »، أو موضوع « تعمد تكرار مثل هذا المشهد في منابر إعلامية عمومية فرنسية لترويج مضامين تحريضية وافتراءات مفضوحة ضد الدولة التونسية »، لا يرتقي إلى الرد على خطورة ما ورد فيه من الإقرار بأن الدوائر الخارجية مع من شايعها في الداخل، هي التي تتولى تقرير من يحكم البلاد.

     إن خطر التمادي في السكوت عن مثل هذأ « الإقرار » التي يثبته الرسميون، حين يخدم مصالحهم الشخصية، والذي يعمل المخلصون لله ولرسوله وللمؤمنين على توعية الأمة على حقيقته، والتي ينأى الوسط السياسي، حكما ومعارضة، عن الزج بنفسه في زواريبها لمن أحطّ أنواع التّضليل التي تمارس على الناس، وصدق الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله-،حين قال : « إذا سكت العالم تقية وتكلم الجاهل بجهله، فمتى يظهر الحق؟! »

     كل العجب من برودة دم من يتحدث، بكل تلك الفجاجة، عن إعداد الدوائر الغربية الاستعمارية لمرحلة آتية من حياتنا، أو تُذكر أمامه ولا يغضب. من أي طين جبلت تلك الجلود حتى تخاطب الناس بهذا البرود. وأي لباس يسع المرء حين يتزيّى بلبوس الواعظ الحريص على مصلحة الناس ثم يدعوهم للاطمئنان إلى سلامة اختيار الغرب لهم، …. وأعجب العجب أنهم ينعون على من لا ينتخب، عصفورهم النادر، « جحودهم وخيانتهم » لمصلحة البلاد؟

     إلا أن العجب يزول حين يدرك المرء مرجعية الفكر السياسي التاريخية لهذه التبعية التي نرزح تحتها والتي تعود إلى بدايات القرن التاسع عشر، حين أحكم قناصل الدول الأوروبية، وتجارهم، ومستشرقوهم، ومبشروهم، قبضتهم على مفاصل حيتنا الفكرية والسياسية، حتى فقدنا إرادتنا وانتزع منا قرارنا، فباتت « نخبنا » تطمئن للدوائر الغربية، وهي تعدّ لرئيس تونس القادم، فما هي الدوائر التي جاءت بمن حكمنا يوما؟

أما ونحن نرى هذه « النخب » تعدنا وتمنّينا بالنهوض وقد وطّنت النفس على رعاية فكر المستعمر بيننا، وترسيخ نظرته للحياة فينا، فإن الوعي على خطرها وخطر سعيها الضالّ ليحتّم على الجميع إدراك أن رأس الامر اليوم هو العمل على التحرر الحقيقي من الهيمنة الخارجية، وأن يُتَّخذ هذا الهدف قضية إجماع، وأن المفهوم الحقيقي للخيانة هو الدعوة للركون مكر المستعمر، بدعوى ضرورة التعامل بين الدول، فالتعامل بين الدول له ضوابطه وأركانه تحدّده نوع العلاقة القائمة، ولا ينكرها إلا سفيه. فتعيين من يحكمنا تضبطه نظرتنا للحياة وموقفنا منها، وتحدده أحكام رب العالمين سبحانه وتعالى، فلننظر غدا من ننتخب.

 

CATEGORIES
Share This