الفوسفات في تونس: حين تتحول الثروة إلى أزمة، فما الحل؟

الفوسفات في تونس: حين تتحول الثروة إلى أزمة، فما الحل؟

توقفت يوم الثلاثاء 4 أوت 2026 عمليات الإنتاج بعدد من مواقع إنتاج الفوسفات بكل من المتلوي       وأم العرائس والرديف ، وذلك على خلفية تحركات احتجاجية نفذها عمال وإطارات شركات البيئة، في تصعيد جديد للمطالبة بتسوية عدد من المطالب المهنية والاجتماعية.

ودخل عدد من المحتجين في إضراب عن الطعام، مؤكدين تمسكهم بمواصلة تحركاتهم إلى حين الاستجابة لمطالبهم، وفي مقدمتها صرف الأجور وتمكينهم من المفعول الرجعي للزيادة في الأجور.

كما طالب المحتجون بإعادة تفعيل النشاط الفعلي لشركات البيئة والغراسة والبستنة، إلى جانب فتح ملفات الفساد داخل هذه الشركات ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، مع التأكيد على ضرورة اعتماد الشفافية في معالجة هذه الملفات.

ويأتي هذا التحرك الاحتجاجي في وقت يواجه فيه قطاع الفوسفات تحديات متواصلة، وسط دعوات إلى إيجاد حلول عاجلة تضمن عودة الإنتاج واستمراريته، والاستجابة للمطالب الاجتماعية للعاملين في شركات البيئة.

لحظة الانكشاف والاعتراف بحقيقة الأزمة

لم يكن توقف إنتاج الفوسفات مجرد فصل جديد من فصول الاحتجاجات التي رافقت هذا القطاع منذ أكثر من عقد. فالحدث جاء في لحظة شديدة الدلالة: أيام قليلة فقط بعد أن عرضت شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي التونسي أمام لجنة المالية والميزانية بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم واقع القطاع، معترفة بأن الأزمة لم تعد أزمة ظرفية، بل أزمة مالية وهيكلية تمس قدرة هذا القطاع الحيوي على القيام بدوره الاقتصادي.

وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة: هل أزمة الفوسفات في تونس هي أزمة أجور؟ أم أزمة إنتاج؟ أم أنها في جوهرها أزمة رؤية واستراتيجية، أي أزمة نظام سياسي لم يعد قادرًا على إدارة ثروة بهذا الحجم؟

قد يكون الاحتجاج الأخير مرتبطًا بمطالب اجتماعية مشروعة، وقد تكون الأجور جزءًا من المشهد، لكن اختزال أزمة الفوسفات في الجانب الاجتماعي يشبه معالجة ارتفاع حرارة المريض دون البحث عن سبب المرض. لأن الأجور ليست أصل الأزمة، بل إحدى نتائجها.

لقد كشفت المعطيات الرسمية أن شركة فوسفات قفصة والمجمع الكيميائي التونسي يواجهان شبكة معقدة من الاختلالات: ضعف السيولة، تراكم الديون، تقادم التجهيزات، هشاشة منظومة النقل، نقص المياه الصناعية، استنزاف الموارد المائية، تراجع نسق التحويل، ارتفاع كلفة الأعطال، وأعباء اجتماعية أصبحت تثقل كاهل المؤسسات. وهذا يعني أن تونس لا تواجه مشكلة عمال يطالبون بأجورهم فقط، بل تواجه سؤالًا أكبر: كيف يمكن لبلد يملك ثروة استراتيجية أن يعجز عن تحويلها إلى قوة اقتصادية مستقرة؟

من ثروة عالمية إلى إنتاج متعثر

تمتلك تونس احتياطيات كبيرة من الفوسفات، وكانت لعقود من أكبر المنتجين والمصدرين عالميًا. بل كانت في بعض الفترات ضمن أكبر خمسة منتجين في العالم، وكان القطاع مصدرًا مهمًا للعملة الصعبة، ليس فقط من خلال بيع الخام، بل عبر الصناعات الكيميائية المرتبطة به.

فقبل الثورة، بلغ الإنتاج في بعض السنوات قرابة 8 ملايين طن سنويًا. لكن بعد أكثر من عقد، أصبح الإنتاج بعيدًا عن تلك المستويات. فالمعطيات المقدمة رسميًا تشير إلى أن إنتاج سنة 2026 يُنتظر أن يكون في حدود 4.5 ملايين طن فقط، مع هدف بلوغ 5 ملايين طن سنة 2028، ثم 9.4 ملايين طن في أفق 2035 باستثمارات تقدر بـ2.7 مليار دينار.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: كيف انتقلنا من الحديث عن إنتاج 14 مليون طن في أفق 2030 ضمن بعض المخططات السابقة، إلى هدف أقل من ذلك بكثير بعد سنوات، مع تمديد الأجل إلى 2035؟ هل يعني ذلك أن التقديرات السابقة كانت مبالغًا فيها؟ أم أن الواقع كشف غياب تصور موحد لمستقبل القطاع؟

في الحالتين، المشكلة ليست في الأرقام وحدها، بل في غياب رؤية استراتيجية مستقرة تجعل الأهداف قابلة للتحقيق.

هل الاقتراض حل لإنقاذ القطاع؟

من البديهي أن شركة بحجم شركة فوسفات قفصة تحتاج إلى استثمارات ضخمة لتجديد المعدات وتحسين الإنتاج. وهذا أمر لا خلاف عليه. لكن الحل التقليدي الذي توارثته الحكومات، هو جزء من المشكل.

لقد عرفت تونس خلال العقود الماضية نمطًا متكررًا: كلما تعثرت مؤسسة عمومية، كان الحل الأسهل هو البحث عن تمويل جديد أو قرض جديد. وهذا بدوره جزء من الفساد عندما تستخدم الأموال لتغطية الاختلالات بدل بناء قدرة إنتاجية جديدة.

فالمؤسسة التي تقترض دون أن تعالج أسباب ضعفها قد تجد نفسها بعد سنوات أمام ديون أكبر وأزمة أعمق. ولذلك فإن تسويق القروض الربوية على أنها وسيلة للنهوض لا مجرد تأجيل للانهيار، هو دجل سياسي فوق كونه حرام شرعا.

عندما تضعف المؤسسات… من يملأ الفراغ؟

لقد ظلت الثروات الطبيعية الكبرى دائمًا محل تنافس دولي، والفوسفات ليس استثناءً. فهذه المادة ليست مجرد مورد تصدير، بل عنصر استراتيجي مرتبط بالأمن الغذائي العالمي وصناعة الأسمدة. وعندما تضعف دولة في إدارة مواردها، يصبح الباب مفتوحًا أمام أشكال مختلفة من التدخل الخارجي، سواء عبر التمويل أو الشراكات أو عقود الاستثمار.

والتجارب الدولية عديدة حيث تحولت الأزمات الاقتصادية إلى مدخل لإعادة تشكيل ملكية القطاعات الاستراتيجية، كما حدث في العراق بعد 2003 عندما دخلت شركات أجنبية عديدة في قطاعات إعادة الإعمار والطاقة، وكما يحدث اليوم في عهد الزيدي. لكن حماية الثروات الطبيعية لا تكون فقط بالخروج من مستنقع الرأسمالية بل ببناء نموذج ذاتي قادر على الإدارة والإنتاج والتطوير من داخل البديل الإسلامي.

البديل: الثروات الطبيعية ملكية عامة وخصخصتها حرام شرعا

لقد جربت كل الحلول ونوقشت كل الطروحات والمعالجات في تونس، ولكن السؤال المطروح هنا: لمصلحة من يتم تجاوز الطروحات الفكرية والفقهية التي قدمت نموذج الملكية العامة في الاقتصاد الإسلامي كتصور مختلف عن الحلول السائدة؟

وفق هذا التصور، فإن الثروات الطبيعية التي لا يستغني عنها المجتمع، مثل النفط والغاز والمعادن الأساسية، لا ينبغي أن تكون مجالًا لاحتكار الأفراد، لأنها ملك للمجتمع كله، وتقوم الدولة بإدارتها باعتبارها نائبة عن الأمة في حفظ هذه الموارد واستثمارها. ولا يعني ذلك بالضرورة أن تتحول الدولة إلى مالك لكل نشاط صناعي أو تجاري، بل يعني أن الموارد الاستراتيجية لا تُترك لمنطق الربح الخاص وحده، وأن عائداتها توجه لتحقيق المصلحة العامة.

وفي هذا الإطار، فإن الفوسفات التونسي، باعتباره ثروة طبيعية، لا ينبغي النظر إليه كمجرد شركة تبحث عن التوازن المالي، بل كجزء من ملكية عامة يجب إدارتها ضمن مشروع اقتصادي محلي طويل المدى، لا يخضع للأجندات الرأسمالية الطامعة والمتربصة بأمننا الغذائي. ويقوم هذا التصور الذي يتفرد به حزب التحرير على فكرة أساسية: أن الدولة لا ينبغي أن تكتفي باستخراج الخام وبيعه، بل عليها بناء القدرة الصناعية والعلمية التي تسمح لها بالتحكم في سلسلة القيمة، من الاستخراج إلى التصنيع والتصدير.

الخلاصة: أزمة الفوسفات هي أزمة اتجاه

إن توقف الإنتاج بسبب احتجاج اجتماعي هو عرض من أعراض مرض أعمق. فالقطاع لا يعاني فقط من نقص الأموال، ولا فقط من مشاكل العمال، بل يعاني من سؤال أكبر: هل لدى تونس رؤية لإدارة ثرواتها الاستراتيجية؟

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الفوسفات قادر على أن يكون مصدر قوة، لكنه أثبت أيضًا أن سوء الإدارة وغياب التخطيط يمكن أن يحولا الثروة إلى عبء. فالثروات لا تصنع قوة الدول وحدها، وإنما الطريقة التي تُدار بها هذه الثروات، ولذلك كانت المشكلة الاقتصادية في الإسلام هي كيفية توزيع الثروة لا كيفية جلبها كما هو الحال في الاقتصاد الرأسمالي الذي يولد الأزمات عالميا، ولذلك لا سبيل لأمة الإسلام لاستعادة ثرواتها إلا باستعادة سلطان الإسلام وإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة.

CATEGORIES
Share This