قدر هذا البلد أن يكون رائدا…فإن أبى أهله عمّهم الضّنك

قدر هذا البلد أن يكون رائدا…فإن أبى أهله عمّهم الضّنك

قدر هذا البلد أن يكون رائدا…فإن أبى أهله عمّهم الضّنك

مرّة أخرى تضع الأزمات الدورية التي باتت تمّيز المشهد السياسي ببلدنا نتيجة، « اختيارات » فرضت على مختلف الفرقاء الفاعلين في الشأن العام، أهل تونس أمام مسؤولياتهم في استنقاذ إرادتهم، ومن ثمّ تحرير قرارهم على أساس جذري، يضمن لهم الخروج من التبعية.
فالوضع العام اليوم بلغ درجة من الاحتقان بات ينذر بما لا تحمد عاقبته إن أهدر أهل البلد، مرة أخرى، هذا المنعرج فلم يقع تحديد الصعيد الذي يجب أن تؤسس عليه اختياراتهم الذاتية. فقد أسقط التونسيون تاج الُثورة الكونية على النظام العلماني الليبرالي، من بين أيديهم منذ مراحلها الأولى، وضيعوا على أنفسهم الفوز بأمانة إنقاذ البشرية من طغيان ذاك النظام المتهالك في حقيقته. وقد أضاعوا على أنفسهم فرصة التدارك حين كانت الحاجة إلى تبني دستور للثورة، بتبنيهم دستور التأسيسي العلماني عام 2014. ثمّ زادوا الطين بلة للخطإ الجسيم والمتمثل في تجاهل الإنذار والتحذير المسبق، من خطر انتخابات 2019، فصارت المناداة اليوم بإسقاط نتائجها عنوان وعي سياسي، جاء متأخرا.
فاليوم وقد باتت مسألة تدارك جملة الكوارث التي عفّنت حياة الناس، رأيا عاما بعد أن سبق السيف العذل، فوجب التأكيد على أن هموم الناس ومؤاخذاتهم على سلطة الرئيس قيس سعيد، ليست هي هموم الوسط السياسي المعارض لهذه السلطة ولا مؤاخذاتهم المحورية عليها.
فلا الانفراد بالسلطة ونسف ما يسمى بالمسار الديمقراطي، ولا تجميد عمل البرلمان، أو حلّ المجالس المنتخبة، ولا حتى مسألة تعديل الدستور، كآلية، مما أشغل الناس وعمق فيهم الإحساس بالظلم، فكل ذلك هي بضاعة سياسية فرضها قانون « اللعبة » لا تعني لجمهور الناس شيئا، وتبقى حججا راجحة في مواقف الخصومات السياسية. فرفضهم لسلطة 25 جويلية، وبالأحرى انفضاضهم من حولها بعد شيء من الرجاء الذي علق عليها، متأت من الفشل الذريع في الاستجابة لانتطاراتها في تخليصها من فترة العبث السياسي، والعجز المطبق على معالجة أزمات البلاد، كتدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية ، حيث باتت الشكوى من تفاقم الأزمات الاقتصادية همّا يؤرق الطبقات المسحوقة، بعد تراجع مقدرتها الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة، وارتفاع نسب البطالة، بل وفقدان العديد من المواد الأساسية من الأسواق.
ومما راكم غضب الشارع في تونس وعمق انفضاضه البيّن عن السلطة القائمة، انكشاف الصفقات المبرمة مع غول الاتحاد الأوروبي حول ملف الهجرة السرية ممّا حول تونس من بلد عبور، لمهاجري أفارقة جنوب الصحراء إلى مركز محوري ورئيسي لتوطين المهاجرين غير النظاميين، وما رافق ذلك من أعباء أمنية واقتصادية، فضلاً عن استمرار نزيف هجرة الشباب التونسي هرباً من البطالة وغلاء المعيشة، مع إحساس متعاظم بعدم جدّية تعامل أوساط المعارضة مع هذا الموضوع.
ومن اليقين أنّ ملف عقود « لزمات إنتاج الكهرباء » من الطاقات المتجددة في تونس قد أسقط آخر أوراق التوت التي كانت تتستر خلفها كل السلط المتعاقبة على البلاد، من الخضوع للقوى الاستعمارية بالتسليم لها في مقدرات البلاد. فقد أبرزت هذه العقود حجم التهديد لسيادة البلاد على مقومات منعتها، وتكريس التبعية للخارج.
الآن وقد بات من المقطوع به عجز السلطة عن تقديم أي حل لقضايا البلاد ، لاستنفاد كل طاقة لديها، وبات من المحتم تغيير هذا الواقع، فقد أزفت أمام أهل تونس فرصة أخرى لإحداث التغيير الجذري بالعودة إلى روح الثورة بإسقاط النظام كمنظومة فكرية أثبتت إفلاسها، وذاق الناس ولاتها منذ أن فرض على الناس آواخر القرن التاسع عشر حين انتصب الاحتلال الفرنسي في ديارنا. فليحذر الجميع من أن نلدغ من نفس الجحر مرّة أخرى، بعد المرات السابقة، وذلك بالركون إلى المتسولين للحلول من حاويات نفايات الغرب الكافر المستعمر، والإعراض عن شرع الله الذي يعيد إلينا تاج ثورة كونية تجهز على ما تبقى من هذا النظام العلماني الليبرالي الذي أشقى البشرية وسامها العذاب والهوان، طاعة للواحد الأحد وقد أمرنا بقوله سبحانه وتعالى:  » شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (13) » ـ الشورى ـ

CATEGORIES
Share This