
حين تموّل أوروبا وتنجز الصين: تونس في قلب معركة النفوذ الصامت
لم تعد معارك النفوذ في القرن الحادي والعشرين تُخاض فقط عبر القواعد العسكرية والترسانات الحربية. فدولة مثل الصين أدركت أن السيطرة على سلاسل الإنتاج والبنية التحتية والتكنولوجيا قد تكون أكثر تأثيراً من الوجود العسكري المباشر. ومن هذه الزاوية، فإن ما يحدث في تونس خلال الفترة الأخيرة يقدم نموذجاً لمرحلة جديدة من التنافس الدولي في شمال إفريقيا.
المشهد يحمل مفارقة لافتة: أوروبا، التي تعتبر تونس جزءاً من مجالها الاستراتيجي القريب، تمول عدداً من المشاريع الكبرى، بينما تتقدم الشركات الصينية للفوز بعقود التنفيذ والإنجاز. وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد منافسة تجارية عادية، بل بتحول ملحوظ في طبيعة النفوذ الاقتصادي العالمي.
فالصين لم تعد فقط مصدراً للسلع الرخيصة، بل أصبحت قوة قادرة على بناء الجسور والطرق والقطارات والمصانع، مستفيدة من قدرتها الصناعية الهائلة ومن خبرة راكمتها خلال عقود من النمو المتواصل.
250 مليون يورو لجسر بنزرت: التمويل أوروبي والتنفيذ صيني
يعد مشروع جسر بنزرت أحد أكثر الأمثلة وضوحاً على هذه المعادلة الجديدة. فالمشروع، الذي يمثل أحد أكبر مشاريع البنية التحتية في تونس، تبلغ قيمته حوالي 250 مليون يورو، وقد أسند إنجازه إلى شركة صينية هي المجمع الصيني للطرقات والجسور في سيتشوان. لكن اللافت أن التمويل لم يكن صينياً بالكامل، بل ارتبط بمؤسسات مالية دولية وأوروبية، من بينها البنك الأوروبي للاستثمار والبنك الإفريقي للتنمية.
وهنا تظهر المفارقة التي تثير اهتمام المراقبين الأوروبيين: الأموال القادمة من المؤسسات الغربية يمكن أن تتحول، عبر آليات المناقصات الدولية، إلى فرص توسع للشركات الصينية التي أصبحت أكثر قدرة على المنافسة في مشاريع الأشغال الكبرى.
القطارات والحافلات: سوق تونسية مفتوحة أمام الصناعة الصينية
الأمر نفسه يتكرر في قطاع النقل. فقد أبرمت تونس صفقة مع الشركة الصينية CRRC، لاقتناء 5 قطارات كهربائية متعددة العربات بقيمة تناهز38.2 مليون يورو، ضمن برنامج مرتبط بدعم مؤسسات مالية دولية، بينها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.
كما توجهت تونس إلى اقتناء 300 حافلة من شركة King Long الصينية بقيمة تقارب152 مليون دينار تونسي لتجديد أسطول النقل العمومي.
هذه الأرقام تعكس حجم الحاجة التونسية إلى تحديث البنية التحتية، لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤالاً أكثر عمقاً: هل تتحول هذه الصفقات إلى فرصة لبناء صناعة تونسية، أم تبقى مجرد عمليات شراء تستهلك الموارد دون أن تخلق قدرة إنتاجية محلية؟
فالمشكلة لا تقف عند مجرد التعامل مع الصين. لأن الدول الناجحة لا ترفض التكنولوجيا الأجنبية، بل تستخدمها وتطورها لبناء قدراتها. لكن الفارق كبير بين دولة تستورد قطاراً، ودولة تستعمل مشروع القطار لبناء منظومة صناعية حوله.
الصين لا تدخل تونس كسوق فقط
يبدو أن الاهتمام الصيني بتونس لا يقتصر على الصفقات العمومية. فخلال الفترة الأخيرة ظهرت مؤشرات على رغبة شركات صينية في جعل تونس قاعدة إنتاجية خارج الصين، خصوصاً في قطاعات الإلكترونيات والصناعات الموجهة للتصدير، والمثال الأبرز هنا هي شركة « تايكينغ الكترونيكس » المختصة في صناعة مكوّنات السيارات الكهربائية والالكترونية عالية الدقة والتي اختارت تونس كأوّل وجهة لها للإنتاج خارج الصين باستثمارات تناهز 40 مليون دينار.
فميزة تونس بالنسبة للصين واضحة: موقع جغرافي قريب من أوروبا، اتفاقيات تجارية مع السوق الأوروبية، يد عاملة مؤهلة، ومسافة لوجستية قصيرة مقارنة بالمصانع الموجودة في شرق آسيا. وهذا ينسجم مع التحول الأكبر في الاستراتيجية الصينية: الانتقال من تصدير المنتجات إلى بناء شبكات إنتاج عالمية. فالمصنع في بلد آخر قد يكون أكثر أهمية من بيع منتج في ذلك البلد، لأنه يمنح الصين موقعاً داخل سلاسل القيمة العالمية.
المفارقة الأوروبية: المنافس الذي تموله جزئياً
لا يعني ذلك أن أوروبا فقدت نفوذها في تونس. بالعكس، الاتحاد الأوروبي لا يزال الشريك الاقتصادي الأكبر للبلاد، سواء من حيث التجارة أو الاستثمار أو التمويل.
لكن المشكلة بالنسبة لأوروبا هي أن نموذجها التقليدي أصبح يواجه منافسة جديدة. ففي الوقت الذي ينشغل فيه الغرب بوضع سياسات للحد من النفوذ الصيني في القطاعات الاستراتيجية، تجد بعض الشركات الصينية طريقها إلى أسواق قريبة من أوروبا نفسها. ولقطع الطريق أمام التمدد الصيني، شرعت المفوضية الأوروبية في دراسة إدراج بند في التعاملات المالية التي تمتد من عام 2028 إلى عام 2034، يمنح الأفضلية للشركات الأوروبية، عند توقيع العقود الممولة أو المضمونة من قبل الاتحاد الأوروبي، وفق ما أكدته وكالة نوفا للأنباء.
لكن السؤال الحقيقي ليس صينياً ولا أوروبياً… بل تونسياً
ربما يكون الخطأ في قراءة ما يحدث هو اختزال الأمر في سؤال: هل ستختار تونس الصين أم أوروبا؟
السؤال الأعمق مختلف تماماً: لماذا تحتاج تونس إلى أن تستورد ما يمكن أن يكون مدخلاً لبناء صناعتها المحلية؟
فتونس ليست بلداً بلا خبرات. لديها مهندسون، وجامعات، وشركات أشغال، ومؤسسات صناعية، وتجربة معتبرة في العمل داخل الأسواق الإفريقية. كما أن موقعها الجغرافي يمنحها فرصة لتكون منصة إنتاج بين أوروبا وإفريقيا.
لكن المشكلة تكمن في غياب رؤية تجعل من الصفقات الكبرى أدوات لبناء القدرات المحلية.
فشراء الحافلات لا ينبغي أن يكون نهاية القصة، بل بداية صناعة مرتبطة بالنقل. وبناء جسر لا ينبغي أن يكون مجرد مشروع إنشائي، بل فرصة لتطوير شركات تونسية في الهندسة والإنجاز. واستقبال مصنع أجنبي لا ينبغي أن يكون مجرد توفير يد عاملة، بل فرصة لنقل التكنولوجيا وبناء خبرات محلية. فالقضية هنا، قضية إرادة سياسية بالأساس.
أزمة نموذج قبل أن تكون أزمة شركاء
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس التعامل مع أوروبا أو الصين طالما هناك رؤية استراتيجية نابعة من عقيدة الأمة وتحقق رغبتها في التحرر من التبعية للاستعمار، بل الخطر الحقيقي هو أن تبقى تونس في موقع التابع والمستهلك: تقترض من الخارج، وتمول مشاريعها، ثم تعيد ضخ جزء كبير من الأموال في شراء تجهيزات وخدمات أجنبية، بل في سداد فوائد الديون، بينما تبقى القيمة المضافة خارج الاقتصاد المحلي.
المعركة الحقيقية إذن ليست بين بكين وبروكسل على تونس، بل هي معركة وعي بين نموذجين داخل تونس نفسها: نموذج يرى البلاد سوقاً للمشاريع الأجنبية يمثله نظام يغير جلده خدمة للاستعمار، ونموذج يرى الدولة مشروعاً اقتصادياً يحتاج إلى صناعة محلية قوية بل ثورة صناعية تبدأ من الصناعات الثقيلة.
وهنا يكمن السؤال المصيري لتونس: هل ستستفيد من التنافس بين القوى الكبرى لبناء استقلال اقتصادي حقيقي يمكن من فك الارتباط بالأجنبي وسياساته، أم ستظل مجرد مساحة تتغير فيها وجوه الشركاء بينما يبقى موقعها ثابتاً؟ الجواب عندنا في حزب التحرير، هو أن التحرر النهائي من ربقة الاستعمار لا يكون إلا بإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة. قال تعالى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى).
