قمة نيروبي 2026: عندما تلبس « فرانس أفريك » عباءة التكنولوجيا والتمويل الأخضر

قمة نيروبي 2026: عندما تلبس « فرانس أفريك » عباءة التكنولوجيا والتمويل الأخضر

قمة نيروبي 2026: عندما تلبس « فرانس أفريك » عباءة التكنولوجيا والتمويل الأخضر

في منتصف مايو 2026، احتضنت العاصمة الكينية نيروبي قمة « إفريقيا إلى الأمام » (Africa Forward)، بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وأكثر من ثلاثين رئيسًا أفريقيًا، إلى جانب ممثلين عن الاتحاد الإفريقي والمؤسسات المالية الدولية وشركات كبرى. جاءت القمة تحت شعار « شراكات إفريقيا–فرنسا من أجل الابتكار والنمو »، في توقيت بالغ الحساسية، إذ تشهد العلاقات الفرنسية–الإفريقية تحولات متسارعة بعد سنوات من التوترات والانسحابات العسكرية الفرنسية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

خلف الخطاب البراق عن « الشراكة المتوازنة » والانتقال من النفوذ الأمني إلى الجيو-اقتصاد، تطرح القمة أسئلة أعمق: هل نحن أمام تحول حقيقي في العلاقة الكولونيالية القديمة، أم أمام إعادة تغليف لمشروع « فرانس أفريك » بأدوات جديدة؟ وإلى أين تسير إفريقيا، الغنية بثرواتها والمسلوبة الإرادة تاريخيًا، في خضم هذا التنازع الدولي المتجدد على مصيرها؟

موقع قمة نيروبي
القمة حملت نفسًا أقرب للمقاربة الأوروبية: الاستقرار، التنمية، المناخ، الحوكمة، التمويل، إصلاح المؤسسات المالية، والشراكة مع إفريقيا بدل تحويلها لساحة صراع مفتوح. فرنسا حاولت تقديم إفريقيا كجزء من « حل أزمة النظام الدولي »، لا مجرد ساحة تنافس جيوسياسي.
لكن الواقع العالمي يسير عكس هذا الطموح ، في داخل أمريكا، توجد رؤية تعتبر أن النظام الدولي القديم يتغير بالفعل، وأن الأولوية هي منع صعود الصين، والحفاظ على التفوق الأمريكي، وإدارة مناطق النفوذ الكبرى. واشنطن تبدو أحيانًا أكثر استعدادًا لتحمل الاضطرابات أو إعادة تشكيل التوازنات بالقوة.
أوروبا نفسها ليست موحدة بالكامل، وإفريقيا لم تعد تقبل بسهولة « الوصاية الناعمة »، ولو نجحت القمة نسبيًا رمزيًا ودبلوماسيًا وفي إعادة طرح إفريقيا كشريك استراتيجي. لكنها لم تحسم التنافس الدولي المتصاعد، لأن العالم يتحرك بالفعل نحو تعددية قطبية وصراع نفوذ اقتصادي وتكنولوجي.

الذكاء الاصطناعي والرقمنة – ساحة النفوذ الجديدة

في قمة باريس للذكاء الاصطناعي 2024، ظهر اختلاف واضح بين المقاربة الأوروبية الفرنسية (تنظيم قوي، سيادة رقمية، حماية البيانات، تقليل هيمنة الشركات العملاقة) والمقاربة الأمريكية–البريطانية (مرونة أكبر، تشجيع الابتكار والشركات الخاصة، عدم تقييد التطور السريع للتكنولوجيا). هذا التباين لم يكن تقنيًا فقط، بل يعكس تنافسًا على من يضع المعايير العالمية، ومن يسيطر على البنية الرقمية والأسواق الجديدة.

في قمة نيروبي، ركز الخطاب الفرنسي على الذكاء الاصطناعي « الأخلاقي »، وحماية البيانات، والبنية التحتية الرقمية الإفريقية، وتدريب الكفاءات المحلية، وتقليل التبعية الرقمية. هذا قريب جدًا من خطاب الاتحاد الأوروبي حول « السيادة الرقمية » وتنظيم المنصات الكبرى. أي أن فرنسا تحاول تقديم نفسها لإفريقيا كشريك يبني « رقمنة منظمة ومتوازنة »، في قارة تمثل مستقبلًا ديمغرافيًا وبياناتيًا واستهلاكيًا ومعدنيًا هائلًا.

فرنسا تحاول في إفريقيا تعويض تراجع النفوذ العسكري عبر النفوذ الرقمي والاقتصادي والتنظيمي، وتقديم نموذج « سيادة رقمية » أقرب للرؤية الأوروبية. بينما تتحرك أمريكا وبريطانيا بمنطق السوق المفتوحة والهيمنة التكنولوجية الخاصة.

التنافس الدولي و صراع الممرات المائية

البعد الأكثر أهمية كان صراع الممرات المائية. القمة عكست اهتمامًا متزايدًا بالبحر الأحمر، والمحيط الهندي، وموانئ شرق إفريقيا، والاقتصاد الأزرق. إذ العالم يعيش اليوم صراعًا على خطوط التجارة، والكابلات البحرية، والطاقة، والموانئ. ومنطقة باب المندب، وقناة السويس، والقرن الإفريقي أصبحت حيوية جدًا لأوروبا والخليج والصين وأمريكا.
أمريكا تنظر لإفريقيا عبر « أفريكوم » كساحة صراع نفوذ عالمي، تتحرك بمرونة أكبر، دون أن تحمل الإرث الاستعماري الفرنسي الثقيل، مما يمنحها قدرة على مخاطبة النخب الإفريقية بصورة « أقل حساسية ». فرنسا تخشى أن تتحول إفريقيا إلى ملف أمريكي مباشر، يُدار من واشنطن، مع تراجع دور باريس إلى مجرد شريك ثانوي.

اللافت أن قمة نيروبي انعقدت في فضاء أنغلوفوني تقليدي قريب من النفوذ البريطاني، مما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كانت لندن ساهمت بشكل غير مباشر في إنجاح القمة. هذه الفرضية القوية تُشير إلى أن لندن رأت في القمة فرصة لدعم استقرار النظام الاقتصادي والتجاري الدولي، واحتواء التمدد الروسي والصيني، دون أن يعني ذلك نهاية التنافس البريطاني–الفرنسي. بل بدت العلاقة أقرب إلى « تنافس داخل إطار غربي مشترك »، وليس صراعًا صفريًا.

تؤكد قمة « إفريقيا إلى الأمام » أن العلاقات الإفريقية–الفرنسية دخلت مرحلة جديدة، تتغير فيها أدوات النفوذ ومجالات التنافس داخل القارة. فرنسا تتراجع عسكريًا لكنها تعيد التموضع اقتصاديًا وتكنولوجيًا ورقميًا وأمنيًا. أمريكا وبريطانيا والصين وروسيا وتركيا والخليج تتصارع على عقود المستقبل في القارة.

ختامًا،
قمة نيروبي التي قادتها فرنسا الضعيفة دوليا الآفلة سياسيا والمنبوذة إفريقيًا، واستطاعت أن تحشد لها أغلب زعماء والحكام القارة وقدمت رؤيتها الاستراتيجية فأخذت بزمام المبادرة في القضايا الحارقة قاريًا وعالميًا وفرضت إرادتها رغم كل الصعوبات. بل صارت تتحرك نحو إفريقيا « الأنغلوفونية والرقمية والاقتصادية »، ولم تعد تعتمد فقط على شبكات « فرانس أفريك » التقليدية في المغرب العربي وغرب إفريقيا الفرنكوفونية.
غير أن السؤال الأكبر الذي تثيره مثل هذه الأحداث ويتطلب إجابة حاسمة: **هل أن الزعامات من عرب ومسلمي افريقيا، الذي كان لهم شرف الحضور وتأثيث المشهد، وبلادهم تزخر بالثروات وتشرف على أهم الممرات المائية في العالم وهم من يمثلون أكثر من نصف مليار من المسلمين . هل مازالوا يبحثون عن تموقع في زمن التحولات الكبرى أم ينتظرون إعادة توزيع أدوات التبعية بين أقطاب دولية جديدة؟**
الأكيد أن هذا النمط من الحكام لفظتهم الأمّة ولم تعد تأبه بهم ، ولم تعد تغتر بلون المستعمر ولا تغير شكله، ولن تقبل بشراكات مقنعة بالتبعية ، فالزمن استدار والأمّة تتطلع لتغيير جذري يجتمع فيه أمرها وتستعيد من خلاله عزّها ومكانتها التي حباها الله بها، ولقد أزمعت طي صفحة الملك الجبري لتقيم خلافتها، وهي مستحضرة مقولة قائدها الفذّ خليفة المسلمين، عمر بن الخطاب رضي الله عنه : « إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله ».

CATEGORIES
Share This