
كلمة العدد 588 من جريدة التحرير
ليست هناك دول قوية وأخرى ضعيفة قدرا، وإنما هو صراع إرادات
يمكن الجزم، دون استدراك، أن قدرة أية دولة على التأثير في السياسة الخارجية لدول أخرى هو المحدد لموقع تلك الدولة في هيكل النظام الدولي، حيث توصف تلك المؤثرة، بالدول القوية، وتظل صفة الضعف تلاحق سائرها. وذلك بما اكتسبته الدول الفاعلة من أدوات نفوذ تمكنها من تغيير سلوك الآخرين.
وستظل الحقائق التاريخية تُصدّق الحوادث الجارية وتثبت أن الموقف الدولي لا يعدو إلا أن يكون مزيجاً من مصالح الدول الفاعلة، حيث تفرض القوى العظمى تأثيرها من خلال توازن القوى، بينما تجد الدول، التي استسلمت لكونها ضعيفة، نفسها في وضع التابع لعدم فاعلية سياساتها.
تكشف التحولات الدولية، من سقوط دول عن سدة الريادة العالمية وصعود أخرى لتحل محلها، وتأثير الدول في سياسات بعضها البعض، أن تركيبة الهيكل الدولي غير ثابتة، بل هي سريعة التغير، وأن الدول التي استطاعت أن تخترق « حاجز » الدول الكبرى وتفتك لنفسها مكانا بينها، هي التي تبنت فكرة جامعة تكون هي المشروع الحضاري الذي يلتف حوله الأفراد، مما يحول الدولة من مجرد رقعة جغرافية إلى كيان سياسي متماسك. وبذلك تضمن السلطة القائمة على رأس النظام الولاء الجماعي، وتوحد مكونات المجتمع المتضاربة، مما يجعل الدولة أقوى وأكثر ثباتاً. وتمنح القيم الرفيعة التي تستبطنها الفكرة الدولة شرعية، وتجعل الأفراد يضحون بأنفسهم من أجل كيانهم، مما يرفع من قوتها الرمزية، وبدونها تصبح القوة المادية جسداً بلا روح، معرضاً للانهيار.
ولعل في الصمود الإيراني، المدهش، أمام أعتى قوة غاشمة لم يشهد التاريخ البشري لها مثيلا، بعض ما يفسر سر التحولات التي تطرأ على هيكل العلاقات الدولية. فمهما كان الموقف من النظام الإيراني، لا يمكن للمراقب المنصف، إلا أن يشهد بأن صمود إيران أمام العدوان الأمريكي وربيبه كيان يهود، قد خلخل النظام الدولي وأربك محاولة الولايات المتحدة الأمريكية إعادة هيكلته بما يضمن استمرار هيمنتها على العالم. إن التماسك بين الشارع في إيران والسلطة المركزية والذي راهنت أمريكا على تصدعه، نشأ عن الثقة في قدرة القيادة بإطلاقها الصواريخ والطائرات المسيرة بعنف غير معهود وبجرأة لافتة للنظر على كيان يهود وعلى أمريكا نفسها في الخليج والمنطقة. وعلى هذا تؤشر مجريات الأحداث إلى إمكانية أن تحتل إيران موقعا متقدما في السياسة الدولية، إلا أن الذي يعوقها عن استثمار الجهود التي بذلتها والنتائج التي حققتها، أنها لا تنطلق من مشروع صادق يستهدف تحرير الأمة عن طريق استعادة سلطانها، فالمحرك للنظام ، الإيراني ليس الإسلام، بل المصالح القطرية والتوجهات الطائفية التوسعية.
يجب أن لا يتمارى اثنان في كون الفكرة الجامعة والتي تحمل المشروع الحضاري هي المحدد المحوري لمكانة الدولة في الهيكل الدولي. إلا أن الأمة الإسلامية وقد ابتليت بمثل حكام اليوم، هي أعجز من أن تتبوأ مكانا بين الدول الفاعلة. فرغم تصدع الصف الغربي، وإشرافه على الانهيار، بعد تراكم الخلافات التي أوجدها مقياس النفعية، ورغم إن الأمة الإسلامية تملك سلاح الإيمان، وحباها الله بالمجال الجغرافي المتميز، والكثافة السكانية الهائلة، ولها جيوش جرارة تستطيع هزيمة أمريكا وحلفائها، وان تتبوأ مكانة الريادة في العالم، فلن تكون جديرة بمركز الريادة إلا إذا استعادت وعيها على ذاتها، واحتضنت فكرتها الجامعة، لا إلاه إلا الله محمد رسول الله، من جديد واتخذتها مصدرا وحيدا لقيمها وأفكارها ومفاهيمها.
فوصف الدول بالقوة والضعف هو أمر لاحق للاختيارات التي تتبناها الشعوب، حين تنبثق عنها قيادة
تشعل الشغف في الناس وتحفزهم نحو رؤية مستقبلية مشتركة، تتعلق بمعالي الأمور وتبعدها عن سفسافها. قيادة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وبناء بيئة عمل قائمة على الثقة والتعاطف.
والتزام القيادة بالأساس الذي قام عليه الميثاق مع الناس، ومحاسبة الناس للقيادة على ذلك هو الشاهد على قوة الدولة أو ضعفها، غذ ليست هناك دولة ضعيفة وأخرى قوية غلا حسب الاختيارات التي يرتضيها هذا الطرف أو ذاك.
