75% من المهندسين الفلاحيين عاطلون… أزمة وجود تحتاج إلى جراحة سياسية

75% من المهندسين الفلاحيين عاطلون… أزمة وجود تحتاج إلى جراحة سياسية

75% من المهندسين الفلاحيين عاطلون… أزمة وجود تحتاج إلى جراحة سياسية

من“مطمورة روما” إلى “مطمورة البطالة”

في مشهد عبثي ، تتحول سنوات الدراسة الدامعة، وتضحيات الأسر الفقيرة، وأحلام الشباب، واحتفالات التخرج، إلى مقاعد بطالة مقنعة، أو إلى هجرة قسرية، أو إلى مهنة غير متوقعة تُهدر الكفاءة إن لم نقل تقتلها.
ثلثا المهندسين الفلاحيين عاطلون عن العمل”… ليست مجرد رقم في تقرير، بل وصمة عار في جبين بلد يُعدّ “من أوائل العالم في نسب التخرّج مقارنة بعدد السكان”.
تونس التي كانت “مطمورة روما” في خيراتها، أصبحت مطمورة البطالة في عقول أبنائها. في تصريح أخير لعميد المهندسين التونسيين « 75% من المهندسين الفلاحيين خارج سوق العمل، و40% من مجموع المهندسين لا يجدون قوت يومهم »، بينما السياسات الرسمية تتفرج، أو تتبجح بـالتحويلات المالية للكفاءات المهاجرة، وكأن الهجرة نصر وليس هزيمة.
الحقيقة أن أزمة المهندسين الفلاحيين ليست أزمة سوق شغل، ولا أزمة مناهج، ولا حتى أزمة قطاع فلاحي متآكل. هي أزمة فكر سياسي لا يزال يؤمن بأن “الشعب البسيط المسالم لا يحتاج إلى علم ذرة”، كما قال وزير ساخرًا من طفل حلم بأن يكون عالمًا. وهي أزمة وزير آخر يتبجح بتحويلات المهاجرين، كأن هجرة الكفاءات نصر وليس هزيمة.
لكن اليأس ليس خيارًا. والدليل أن الحلول موجودة، وليست مستوردة من واشنطن أو باريس. بعضها مستعاد من فقه عمر بن الخطاب (لا تعطيل للأراضي، والماء ملكية عامة)، وبعضها مستوحى من تجارب ناجحة ، وبعضها مكتوب في إعلان طرابلس حول إدارة المياه الجوفية المشتركة.
في هذا المقال، لن نرثي للحال. بل سنقدم خطوات عملية وجريئة، تصنع مهندسًا يبني بلده، لا مهندسًا يجني الطماطم في بلد غيره.

فوضى السياسات وإفلاس العقلية الحكومية

– سياسة تعليم بلا بصيرة: برامج تعليمية تعود للقرن الماضي، لا تواكب التحول الرقمي، ولا الزراعة العضوية، ولا التسيير المالي، وكأن المهندس يخرج ليزرع الصبار، لا ليبتكر حلولًا.
– توقف التوظيف العمومي: بتوجيهات صندوق النقد الدولي، أغلقت السلطة بابها أمام الكفاءات، وتحولت من “راعية للشؤون” إلى شركة ربحية لا تعرف إلا التقشف.
– هشاشة البنية الفلاحية: 80% من المستغلات أقل من 20 هكتارًا، فلا مؤسسات كبرى قادرة على استيعاب المهندسين، ولا فلاح صغير قادر على دفع رواتبهم.
– بيروقراطية مقيتة: تعامل المهندس الفلاحي كمتسول أمام الإدارات، وإجراءات ترهق الظهر قبل استصلاح الأرض.
– غياب الاستمرارية السياسية: كل مرحلة حكومية تأتي بسياسة فلاحية جديدة، وكأن الفلاحة لعبة، وليست قضية أمن قومي وسيادة غذائية.
– نفوذ خارجي مكشوف: من معمل قابس المسموم، إلى اتفاقية الأليكا، أوروبا تعد العدة لتفكيك القطاع لصالح مستثمريها، تحت عنوان الشراكة المقنعة خلف مشروع الإبادة الاقتصادية.

التداعيات – بطالة، هجرة، وهدر للكفاءات

– المهندس الفلاحي الناجح؟ صار صاحب تاكسي الآن، بعد أن تكبدت عائلته الديون ليدرس.
– شباب محطم: بدل أن يكونوا عماد النهضة، صاروا وقود الهجرة غير الشرعية أو الانحراف.
– أرض معطلة وماء منهوب: عقارات فلاحية تموت من العطش الإداري، بينما الجنوب يعوم فوق أكبر مخزون عالمي للمياه الجوفية و الأحكام الشرعية التي تُجرم تعطيل الأرض وتوزيع الماء بالعدل، معطلة كحال الموقوفون في السجون.
المعالجات – العودة إلى الحكمة أو الانهيار المحتوم
لم يعد ممكنًا التعامل مع أزمة المهندسين الفلاحيين على أنها مجرد خلل في سوق الشغل. هي أزمة وجود تحتاج إلى جراحة سياسية واقتصادية لا أدوية مُسكنة. هذه الخطوات ليست اقتراحات نظرية، بل واجبات وجودية:

خطوات عملية لإنقاذ ما تبقى

1 تفعيل الأحكام الشرعية المُعطَّلة: السلاح المفقود لقتل الفساد العقاري.
ليست الفكرة دينية شعاراتية، بل هي **نظام قانوني اقتصادي** كان سببًا في ازدهار الأندلس حين حكمها المسلمون لثمانية قرون وتنتفع إسبانيا إلى اليوم بأثر الأنظمة الري والزراعة والبيئة والإدارة التي ورثتها عن المسلمين في الأندلس.
– **إحياء قاعدة “لا تعطيل”** (عمر بن الخطاب): أي أرض فلاحية أو عقارية لا تُستغل لأكثر من 3 سنوات، تُنتزع من مالكها وتُمنح لمستثمر أو مهندس شاب.
– **تفعيل “الخراج” العادل** بدل الضرائب العقيمة: المستغل يدفع نسبة من الإنتاج، لا إيجارًا خياليًا.
– **تحويل الماء من سلعة نادرة إلى ملكية عامة** (فقه “المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار”): لا يملك أحد بيع الماء كسوق سوداء، بل توزيعه وفق عقود منفعة عامة.
– هذا نزر يسير من فقه الحلول الذي جعل الخليفة هارون الرشيد يقول للسحابة: “أمطري حيث شئتي فسيأتيني خراجك”.
2. وقف استنزاف الكفاءات: توظيف إجباري للمهندسين في المؤسسات العمومية لمدة 3 سنوات، بدل تركهم فريسة للبطالة.

3. تطوير المناهج التعليمية: إدخال الذكاء الاصطناعي، الزراعة الذكية، التسويق الرقمي، التمويل الفلاحي.. هندسة الطاقات المتجددة (تحلية المياه بالطاقة الشمسية كجزء من المنهج الأساسي).

4. مواجهة الإملاءات الخارجية: تجميد العمل باتفاقية الأليكا في مواد المياه والطاقة المتجددة والبذور المهجنة، لأنها تمثل **تفكيكًا ممنهجًا** للفلاحة التونسية، بناء سيادة اقتصادية تحمي المنتج المحلي قبل المهندس.
5. دعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة لتتحول إلى مصانع تشغيل حقيقية.
6. محاربة البيروقراطية: منح الصلاحيات للشباب، وإلغاء آلاف التراخيص العقيمة.
7. انفتاح إقليمي – من إعلان طرابلس إلى ميثاق الكفاءات المغاربية .
هنا يأتي دور اللجنة المشتركة لإعلان طرابلس (تونس – الجزائر – ليبيا) كمنصة عملية لتحويل البطالة إلى فرصة، والهجرة إلى تكامل. تضمن توحيد الكفاءات، الاعتراف بالشهادات، وربط الجامعات بسوق العمل بفرض نسبة إدماج مغاربية إلزامية (30%) في عقود المشاريع الكبرى، لتكون الأولوية للكفاءات المحلية قبل الأجنبية.

الخلاصة: تونس أمام خيارين لا ثالث لهما

إما أن تحكم بفقه الحضارة (سيادة، عدل، كفاءات)، وإما أن تُحكم بفقه الاستجداء (صندوق النقد، الأليكا، البطالة المقدسة).

CATEGORIES
Share This