
قراءة استراتيجية في تحالف مكة: إعادة تشكيل الأمن من الخليج إلى المتوسط
لا يمكن قراءة اتفاق الدفاع المشترك الذي وقّعته تركيا والسعودية وباكستان في مكة المكرمة في 7 أغسطس/أوت 2026 بوصفه مجرد تحالف عسكري تقليدي، بل هو نواة لمنظومة أمنية متعددة المراكز تمتد من الأناضول إلى المحيط الهندي. فالاتفاق، الذي يجعل الاعتداء على أي طرف اعتداءً على الأطراف الأخرى، يخلو من قيادة عسكرية موحدة أو بنية عملياتية شبيهة بحلف شمال الأطلسي، ما يجعله أقرب إلى « التزام سياسي وأمني مهم » وفقاً لما أكدته وكالة رويترز، منه إلى حلف عسكري جامد.
تحالف مكة والتحالف البحري السعودي – ضربة استراتيجية متكاملة
يمثل اتفاق مكة للدفاع المشترك (السعودية-تركيا-باكستان) والتحالف البحري بقيادة السعودية حزمة استراتيجية متكاملة، صُممت في أغسطس/أوت 2026 لتقديم نموذج أمني إقليمي جديد يعتمد على محور قوي وقابل للتوسع. فاتفاق مكة يوفّر الإطار السياسي والردعي، بينما يوفّر التحالف البحري الذراع العملياتية لتأمين الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب والمحيط الهندي. وتكمن أهمية التصميم في التوقيت المتزامن (الإعلان 30 يوليو/جويلية، التوقيع 7 أوت، التدشين 13 أوت)، وتداخل الأطراف (النواة الصلبة الثلاثية، والمحيط الممتد الذي يضم 15 دولة)، والتكامل الوظيفي الذي يحوّل التهديدات البحرية إلى استجابة جماعية منسقة. وهذا التحرك يأتي كرد فعل على هشاشة الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية وحدها، وانسجاماً مع استراتيجية « أمريكا أولاً » في تقاسم الأعباء، مما يعيد تشكيل خريطة النفوذ من الخليج إلى القرن الإفريقي وشمال إفريقيا، ويجعل إفريقيا جزءاً أصيلاً من معادلة الأمن الإقليمي الجديد..
وهذا الفارق جوهري، لأنه يفسر لماذا اختارت الدول الثلاث وصفه بالدفاعي وليس الموجه ضد دولة بعينها، رغم التوقيت الحساس الذي صاحبه من تصاعد المواجهة مع إيران واضطرابات الملاحة في البحر الأحمر.
الاختبارات الميدانية من الصومال إلى ليبيا
يُمثّل الصومال أول اختبار لقدرة تحالف مكة على ترجمة التزاماته إلى تأثير ملموس، إذ وقّعت مقديشو اتفاقات ثنائية مع كل من تركيا والسعودية وباكستان قبل أيام من الاتفاق الثلاثي، ما جعلها حالة فريدة لـ »التحالف الشبكي » الذي يربط الدولة الإفريقية بكل طرف عبر علاقة ثنائية، ويحوّلها إلى نقطة اتصال بين الأمن الخليجي والتركي والباكستاني والملاحة الدولية. أما السودان فيكشف حدود النفوذ السعودي، حيث علّقت باكستان صفقة تسليح بقيمة 1.5 مليار دولار بعد اعتراض سعودي، مما يُثبت قدرة الرياض على توجيه القرار الباكستاني، لكنه يُظهر أيضاً خطر تحول التنسيق إلى دعم متنافس يزيد من تدويل الحرب. وتُشكّل ليبيا المختبر الأكثر تعقيداً، حيث تسعى المبادرة الأمريكية بقيادة مسعد بولس إلى توحيد القوى المحلية والإقليمية حول تقاسم السلطة وإعادة تنشيط النفط، في نموذج يحدد واشنطن فيه الاتجاه العام وتدير القوى الإقليمية التفاصيل، وإذا نجحت الصيغة بدعم تركي-سعودي-مصري، فستكون الرسالة أن شمال إفريقيا ينتقل من « إدارة أوروبية » إلى « إدارة إقليمية مدعومة أمريكياً ».
إعادة تعريف النفوذ بين القوى الكبرى والإقليمية
تبدو الولايات المتحدة مرتاحة لاتفاق مكة طالما يخدم إستراتيجيتها في تقليل تكلفة إدارة الأزمات، بينما تعيد بريطانيا تموضعها من الإمبراطورية الجغرافية إلى الشبكية، محتفظة بقواعدها في البحرين وعُمان وقبرص وقطر والإمارات، لكنها تنتقل من القيادة المباشرة إلى تمكين الآخرين عبر التدريب والاستخبارات والتكنولوجيا، مما يجعل الخطر البريطاني الحقيقي ليس مواجهة الاتفاق بل أن يعيد توزيع النفوذ فتصبح لندن أقل ضرورة كوسيط. وتبرز مصر كغائب حاضر، إذ يُشير اجتماع وزراء خارجيتها مع تركيا والسعودية وباكستان في مارس 2026 إلى احتمال نشوء دائرة أوسع، وإذا انتقل التعاون إلى صيغة مؤسسية مع القاهرة، فسنكون أمام بنية أمنية جديدة تمتد من الخليج إلى شمال إفريقيا والقرن الإفريقي. أما الهند فتنظر إلى الاتفاق كجزء من إعادة توزيع النفوذ في المحيط الهندي في ظل تنافسها مع باكستان، بينما تحافظ الصين على حضورها البحري في خليج عدن، مما يؤدي إلى تعدد مراكز القوة بدلاً من هيمنة واحدة.
المغرب العربي وتونس بين التنافس الإقليمي واستقلال القرار
في ظل صعود الشبكات السعودية-التركية-الباكستانية، تُصبح تونس، بموقعها عند تقاطع ليبيا والجزائر والمتوسط والساحل، دولة يجب التأثير في اتجاهها، ومن هنا يمكن فهم تصريح الخبير العسكري توفيق ديدي عن « التحالف التركي الإسرائيلي » كإشارة إلى تنافس مشاريع النفوذ (أمريكية، تركية، سعودية، باكستانية ، بريطانية) وليس كإثبات لتحالف عسكري، إذ تشهد العلاقات التركية-التونسية تعاوناً متنامياً، في حين يختلف الأمر في الجزائر، فهي أكبر قوة عسكرية مغاربية ولاعب رئيسي في الساحل، وقد رفعت مستوى تعاونها الاستراتيجي مع تركيا في مايو 2026، مما يجعل تصور عمل عسكري تركي ضدها غير واقعي، لكن التنافس على اتجاه المنطقة يبقى قائماً بين قوى متعددة. أما المغرب فيكتسب قيمة جديدة كجزء من منظومة توازن غربية تستخدم الأطلسي والمتوسط، مما يقسّم شمال إفريقيا وظيفياً: المغرب للأطلسي والمتوسط، الجزائر للطاقة والساحل، تونس للمتوسط والهجرة، وليبيا للنفط، وهي ملفات حيوية لبريطانيا وأوروبا، مما يفسر عدم معارضة لندن لاتفاق مكة طالما احتفظت بشبكاتها.
ختامًا،
اتفاق مكة ليس تحالفاً عسكرياً تقليدياً بل نقطة انطلاق لشبكة أمنية عابرة للأقاليم، تمتد من المتوسط إلى المحيط الهندي مستفيدة من الجغرافيا (تركيا في مدخل المتوسط، السعودية في قلب الخليج والبحر الأحمر، وباكستان في مدخل المحيط الهندي). والسؤال الأهم هو ما إذا كانت إفريقيا، خصوصاً البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ستتحول إلى المجال الخارجي الأول لاختبار قدرة الاتفاق على إنتاج نفوذ جماعي، والإجابة تميل إلى نعم، فالصومال هي نقطة الاختبار الأوضح، بينما السودان وليبيا هما الاختبار الأصعب. والتطور الأهم هو مصر، فإذا انتقل التعاون الثلاثي إلى صيغة تضم القاهرة، فسنكون أمام بداية بنية أمنية جديدة، ويعزز ذلك الاجتماع الرباعي في مارس 2026.
ما يستخلص من هذا المشهد السياسي المعقّد أن جميع الأطراف المؤثثة له هم مسلمون ومسرح العمليات يدور على أراضي وممرات إستراتيجية إسلامية، وكذلك التحالفات الصاعدة يمثلها مسلمون وموجهة أساسًا للمناطق الإسلامية، دون أن يُرى أثر لمبدأ الإسلام فيها ، لا من عقيدة الولاء و البراء ولا في قضية نصرة المسلمين المستضعفين في غزّة وفي باقي أصقاع العالم ولا من حيث الأهداف الإستراتيجية المتمثلة في وحدة الأمّة السياسية وتبليغ رسالة الإسلام للعالم .
إذا، هذا المشهد الفسيفسائي للتحالفات الجديدة، لن يكون عامل نهضة ولا استقرار مادام قائما على مصالح قُطرية وخاضعا للمصالح الأمريكية وتوازنات الدول الاستعمارية، ولن يُخرج الأمّة من حالة التشرذم والفُرقة بالشعارات، بل بالسعي الجادّ من أهل القوّة، لجعل الإسلام في سُدّة الحكم، في ظلّ دولة واحدة يقودها خليفة للمسلمين، يوحّد البلاد ويرفع الأحقاد ويجعل سهام المسلمين تجاه أعداء دينهم وأمتهم لا تًجاه بعضهم بعضًا.
