حين يكون إصلاح التعليم إعادة إنتاج للأزمة، فما الحل؟

حين يكون إصلاح التعليم إعادة إنتاج للأزمة، فما الحل؟

افتُتحت أبواب المجلس الأعلى للتربية والتعليم في تونس يوم الاثنين 17 أوت 2026، في مشهد قُدّم بوصفه إيذاناً بمرحلة جديدة من إصلاح التعليم، واختيرت له تركيبة جمعت أطيافاً متعددة من أهل الميدان. غير أن اختيار محمد علي البوغديري، النقابي اليساري ووزير التربية السابق، على رأس الكتابة العامة للمجلس، أثار أكثر من سؤال حول طبيعة المسار الذي يراد للتعليم التونسي أن يسلكه، مما دفع وزيرة التربية السابقة في تونس، سلوى العباسي، إلى التقدم بطعن رسمي في قرار تعيينه، مشككةً في كفاءته لترأس إدارة أخطر مصنع لصناعة العقل التونسي.

والقضية هنا ليست شخصية، وإنما في الدلالة السياسية والفكرية للاختيار حين يوضع من ارتبط اسمه، في مراحل سابقة، بمواقف مؤيدة لنظام الطاغية بشار أسد، في موقع من المواقع المؤثرة في رسم مستقبل تربية الناشئة. ثم في الخليط العجيب لأعضاء هيئة التقييم، والتي تضمنت خلفيات واتجاهات ومشارب مختلفة، بما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن لمؤسسة يفترض أن ترسم فلسفة التعليم في البلاد أن تنتج رؤية متماسكة للإنسان والمجتمع، إذا كانت منطلقاتها الفكرية نفسها متباعدة ومتناقضة، لا يجمعها سوى التأييد لمسار « البناء والتشييد »؟

إذا علمنا أن البوغديري كان ضمن الوفد النقابي التونسي الذي زار سوريا، والتقى بشار الأسد في دمشق يوم 31 جويلية 2017، وأنه قد أكد موقفه الداعم لبشار حين أصبح وزيراً للتربية، حيث أشاد بتاريخ 6 مارس 2024 بعودة العلاقات التونسية السورية عند لقائه بالسفير السوري في تونس محمد محمد، ألا يحق لنا أن نتساءل: بأي معنى تصبح هذه الاختيارات جزءاً من مشروع الإصلاح الذي يُراد منه أن يحقق أهداف الثورة؟ المشكلة، في الحقيقة، أعمق من شخص البوغديري بكثير…

فأن يُستقدم رجل أو يُستبعد آخر لا يغير جوهر المعضلة إذا كانت الفلسفة التي تحكم الإصلاح لم تتغير. فالرئيس نفسه، في كلمته التي ألقاها بمناسبة يوم العلم صبيحة 17 أوت 2026، تحدث عن مجلس دستوري غايته إرساء « إصلاح وطني ديمقراطي »، وعن تعليم « وطني ديمقراطي » يكرس القيم، وعن مدرسة لا تقتصر على التحصيل وإنما تغذي « الروح الوطنية » من خلال الثقافة والفنون. كما انتقد الإصلاحات السابقة التي رأى أن بعضها أُملي من الخارج، مؤكداً أن التعليم ينبغي أن تختاره تونس وفق ما يختاره شعبها. وهنا تحديداً تكمن المفارقة.

فما الذي يعنيه « التعليم الوطني الديمقراطي »؟ وماذا يختلف في أسسه عن المسار العبثي الذي أنتجه نظام بن علي؟ وما هي القيم التي سيكرسها؟ وهل يكفي أن نستبدل برنامجا ببرنامج، ونضيف نادياً للمسرح أو السينما، ونغير شكل المدرسة، ثم نسمي ذلك إصلاحاً؟ وهل يمكن لمنظومة أنتجت أجيالاً متزايدة الاغتراب عن دينها وتاريخها وواقع أمتها أن تصلح نفسها بمجرد إعادة ترقيع أجزائها؟ أليس من مقتضى العقل أن نراجع الفكرة التي أقيم عليها البناء قبل أن ننشغل بطلاء جدرانه؟

إن أخطر ما في الأمر أن دولة الحداثة لم تتعامل مع التعليم باعتباره وسيلة لنقل المعارف فحسب، وإنما جعلته أداة لصناعة الإنسان وفق تصورها الخاص للإنسان والحياة والمجتمع، أي كائنا مستهلكا للحضارة الغربية وجاهلا بدينه. ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست حول عدد ساعات الرياضيات أو محتوى كتاب التاريخ، وإنما حول السؤال الأكبر: أي إنسان نريد؟ وأي مجتمع نريد؟ وأي حضارة نريد أن نصنع؟

وهنا يصبح الحديث عن « الاستلاب الفكري » مهما، فإذا كان الاستلاب هو أن يستورد المجتمع أفكارًا جاهزة عن الإنسان والحياة والمجتمع من خارج منظومته الحضارية، ثم يجعلها أساسًا لتربية أبنائه، فهذه قضية تستحق النقاش الجاد.

أما أن يصبح الإسلام نفسه موضع التحفظ حين يُطرح باعتباره تصورًا متكاملًا للحياة، في حين تُستقبل التصورات الغربية الحديثة عن الإنسان والدين والدولة باعتبارها حقائق محايدة لا تحتاج إلى مساءلة، فهنا يصبح الحديث عن الاستلاب ناقصًا.

فما جدوى أن نقول للناشئة: « فكروا بحرية »، إذا كنا قد حددنا مسبقًا الإطار الفكري الذي يسمح لهم أن يفكروا داخله؟ وما معنى مقاومة الاستلاب إذا كانت النتيجة النهائية هي سلخ المسلم عن التصور الذي نشأ عليه مجتمعه تاريخيًا، وتحويل الإسلام من منظومة تنظم الحياة إلى شأن روحي خاص، محصور في المحراب؟ هذا في الحقيقة ليس تحريرًا للعقل من الاستلاب، بل هو استلاب من نوع آخر واحتكار للعلم والمعرفة.

 

والأشد مفارقة أن يحدث ذلك كله تحت راية الثورة وشعار « الشعب يريد »، بينما يُراد للشعب أن يظل خارج السؤال الحضاري الأكبر: هل يريد أن تُربّى أجياله على الإسلام بوصفه ديناً شاملاً ينظم تفاصيل الحياة، ويخرجهم من أزمات العلمانية، أم على تصور يفصل الإسلام عن السياسة والاقتصاد والاجتماع، ويتركه في حدود العقيدة والعبادة والأخلاق الفردية؟

إن التعليم في الإسلام ليس نشاطاً محايداً منفصلاً عن تصور الأمة للإنسان والحياة. بل تنطلق سياسة التعليم من العقيدة الإسلامية باعتبارها الأساس الذي تتفرع عنه غاية التعليم ومناهجه وثقافته. والغاية ليست صناعة موظف صالح لسوق العمل فحسب، وإنما بناء الإنسان المسلم القادر على فهم الحياة وإعمارها وفق أحكام الإسلام، وإيجاد الأمة القادرة على حمل رسالتها الحضارية.

وهذا هو جوهر الرؤية التي يطرحها حزب التحرير في مشروعه لنظام التعليم في دولة الخلافة والتي لخصها في كتابه (أسس التعليم المنهجي في دولة الخلافة): أن يكون الأساس الذي يقوم عليه النظام التعليمي هو العقيدة الإسلامية، وأن يجمع التعليم بين بناء الشخصية الإسلامية، وإكساب الإنسان المعارف والمهارات اللازمة لمعترك الحياة، وإعداده للتخصص والبحث العلمي. فلا تعارض بين أن يتعلم المسلم الفقه والقرآن والسيرة، وأن يتبحر في الطب والهندسة والرياضيات والفيزياء، بل إنه لا سبيل لنهضة أمة « اقرأ » من جديد إلا من خلال اتخاد الإسلام أساسا للتفكير، واتخاذ أحكامه مقياسا للأعمال.

وتقوم هذه الرؤية كذلك على اعتبار التعليم الأساسي حقاً مضموناً لكل فرد، وعلى توفيره مجاناً، وعلى جعل الدولة مسؤولة عن إنشاء المدارس والجامعات والمختبرات والمكتبات ومراكز البحث العلمي، حتى لا يصبح التفوق العلمي امتيازاً طبقياً. أما التعليم العالي فليس غايته تخريج الموظفين فقط، ولا صناعة النخب القادرة على تسيير البلاد فقط، وإنما إيجاد العلماء والمجتهدين والأطباء والمهندسين والمخترعين والطواقم القادرة على النهوض بمصالح الأمة.

والفارق الجوهري أن هذا كله لا يُبنى على فلسفة « الحياد » تجاه الدين، ولا على محاولة سلخ الناشئة عن عقيدتهم بحجة الحداثة، وإنما على أساس أن الإسلام نفسه هو الذي يحدد غاية الإنسان، مع ترك المجال واسعاً أمام العقل للاجتهاد فيما لم يرد فيه نص، والإبداع في الوسائل والأساليب، والغاية طبعا من جنس الوسيلة.

المسألة إذن أكبر من مجلس، ومن هيئة تقييم. لذلك لا ينبغي أن ينشغل النقاش بتركيبة المجلس من حيث الأسماء. السؤال الأكبر هو: ما الأسس التي سيبني عليها هذا المجلس إصلاحه؟

إذا كانت الغاية مجرد إنتاج موظف أكثر كفاءة والإبقاء على نفس أسس ومناهج التعليم، فنحن أمام إصلاح تقني، يعيد إنتاج نفس الأزمة. أما إذا كانت الغاية إنتاج إنسان مسلم واعٍ، متعلم، مفكر، مبدع، معتز بهويته، قادر على إنتاج المعرفة والمشاركة في صناعة المجتمع والحضارة، فنحن أمام سؤال حضاري مختلف تمامًا. وهذا هو الفارق بين إصلاح التعليم وإعادة بناء الإنسان. فأي إصلاح هذا الذي لا يراجع الإنسان الذي يصنعه التعليم، ولا الغاية التي يصنع من أجلها، ولا الهوية والحضارة التي يريد لهذا الإنسان أن يكون جزءاً منها؟ وأيُّ صلاح للإنسان يمكن أن يُتصوّر بعيداً عن الوحي الذي يحدد له معنى الصلاح، ويهديه إلى معنى وجوده وغاية خلقه؟ قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (إبراهيم: 1)

CATEGORIES
Share This