تونس بين السيادة المفقودة والوصاية الأمنية الإيطالية

تونس بين السيادة المفقودة والوصاية الأمنية الإيطالية

في مشهد لم تشهد تونس مثيلاً له منذ الاستقلال المزعوم، تتكشف يوماً بعد يوم تفاصيل صادمة عن إعادة توزيع صامتة للسيادة، حيث تتحول البلاد على مرأى ومسمع من الجميع إلى مجرد حارس حدود متقدم لحساب دول شمال المتوسط، التي تخلت بوقاحة عن أزماتها وألقت بثقلها على دولة منهكة تعاني أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة.

 

الوثيقة الرسمية الصادرة عن البرلمان الإيطالي بتاريخ 26 ماي 2026 والمتكونة من 145 صفحة لم تترك مجالاً للشك: 22 عنصراً من الحرس المالي الإيطالي (Guardia di Finanza)، مزودين بالأسلحة مع تجهيزات لوجستية ومركبات ومقرات إقامة، سينتشرون على الأراضي التونسية بين تونس العاصمة وصفاقس، بميزانية تفوق 8.8 ملايين يورو. والمهمة؟ تقديم الدعم والتدريب للحرس البحري التونسي. لكن السؤال الذي يصر أصحاب القرار في تونس على تجاهله: أين السيادة في أن تأتي قوة أجنبية مسلحة لتؤدي جزءاً من مهمة حراسة حدود أوروبا؟

 

إنها ليست مجرد بعثة تدريب. إنها إعادة تعريف للدولة ولدورها. حيث يُراد لتونس أن تكون ثكنة حدودية لحماية إيطاليا من مهاجريها ووكالة أمنية تنفيذية لأجندة أوروبية تُحوّل البحر المتوسط من فضاء للتبادل التجاري إلى ساحة لصد البشر الهاربين من الحروب والفقر وكل جرائم الاستعمار الرأسمالي.

 

الأرقام تتهم، والسلطة تصمت

 

الناشط مجدي الكرباعي الذي أكد مصادقة البرلمان الإيطالي على الوثيقة، يعلنها بصراحة: أوروبا صدرت أزمة الهجرة إلى تونس، والأرقام تؤكد ذلك. فعدد التونسيين الواصلين إلى إيطاليا تراجع بشكل كبير، ليس لأن الأزمة حلت، بل لأن أوروبا نجحت في إعادة توجيه مسارات الهجرة، فجعلت من تونس سجناً مكشوفاً لمنع الوصول إلى الضفة الأخرى، بل صارت هناك غرف خاصة في سجن المرناقية تعج بالأفارقة جنوب الصحراء. أما عمليات الإنقاذ التي كانت تنتهي في الموانئ الإيطالية، أصبحت اليوم تنتهي في الموانئ التونسية، وكأن تونس لم تعد بلداً مستقلاً بقدر ما أصبحت امتداداً أمنياً لإيطاليا.

 

وهذا ليس استنتاجاً عاطفياً، بل هو قراءة واقعية لمشهد تكشفه الوثائق الرسمية: تونس تتحول إلى حارس حدود بالوكالة، بلا ثمن سياسي يُذكر، وفي صمت مطبق من السلطات التي تفضل التعامل مع الملف كمسألة تقنية لا كطعنة في خاصرة السيادة.

 

الحمامات: طابور خامس على شاطئ المتوسط

 

وإذا كان الانتشار الأمني الإيطالي المباشر يمثل انهياراً للسيادة من بابها العسكري، فإن ما يجري في الحمامات يمثل اختراقاً من نوع آخر، ربما يكون أخطر على المدى البعيد.

 

فالجنرال الإيطالي المتقاعد أدريانو روسبوليني، يقيم بكل راحة في منتجع الحمامات، ويؤسس أول فرع لحركة « المستقبل الوطني » الإيطالية على الأراضي التونسية، (وهي حركة يمينية متطرفة يقودها الجنرال الإيطالي السابق والبرلماني الأوروبي البارز « روبرتو فاناتشي »)، بل يعلن بكل وقاحة أنه لا يدفع ضرائبه لإيطاليا لأنه لا يريد تمويل سياسات لا يوافق عليها. وهو، ورفاقه من العسكريين والقضاة والمسؤولين المتقاعدين (الذين يتجاوز عددهم ستة آلاف في مدينة الحمامات وحدها فضلا عن سائر المناطق السياحية)، يستفيدون من نظام ضريبي تونسي يمنحهم امتيازات لا يحلم بها التونسيون أنفسهم.

 

 

أليس هذا تناقضاً صارخاً؟ أن نستضيف على ترابنا من يقول إنه لا يريد تمويل بلاده، بينما تُنهب الدولة التونسية وتُجبر على قبول قوات أجنبية لحراسة حدودها؟ وأين هي السلطة التونسية رئاسة وحكومة وبرلمانا من هؤلاء النشاطين السياسيين الأجانب الذين ينظمون صفوفهم تحت مسميات حركية وسياسية في قلب إحدى أهم مدننا الساحلية؟

 

سؤال لا يريد أحد سماعه

 

يرى البعض أن البرلمان التونسي لا يستطيع مساءلة الحكومة حول هذا الانتهاكات الصارخة. ولكن السؤال الأكبر يبقى معلقاً: هل تونس قادرة على استعادة قرارها السيادي، أم أنها انزلقت فعلاً إلى موقع « الحارس الميداني » لحدود الآخرين، ضمن هندسة إقليمية تجعل من الجنوب امتداداً وظيفياً لأمن الشمال؟

 

يذكر أنّه تم في 16 جويلية 2023، توقيع « مذكرة تفاهم » بين تونس والاتحاد الأوربي حول « شراكة استراتيجية وشاملة »، وتهم بالأساس ملف الهجرة غير النظامية، وقد عبر حزب التحرير عن رفضها في أكثر من مناسبة، معتبرا أن هذا التمشي الذي تنتهجه الحكومات المتعاقبة إرضاء للسيد الأوروبي، يُسقط في الماء كل خطابات التغني بالسيادة وكل شعارات التعويل على الذات.

 

ختاما، فإن الوثيقة الإيطالية بين أيديكم. الأرقام واضحة. والانتشار الأمني جارٍ. والمتقاعدون العسكريون ينشطون في الحمامات. والسلطة صامتة. وهنا يكمن الخطر بعينه: ليس في الاتفاقيات نفسها، بل في هذا الصمت المخيف الذي يكسو التفريط في السيادة بثوب التعاون الفني، وكأنهم يريدون منا أن نقرأ في الصحف الإيطالية تفاصيل التفكيك المنهجي لبلد لم يعد ملكاً لأبنائه. وإلى أن يغير الله حالنا، لا يسعنا سوى أن نذكر الجميع حُكّاما ومَحْكُومِين بقوله سبحانه: (وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا).

 

 

CATEGORIES
Share This