العبث الديمقراطي…إلى أين؟

 العبث الديمقراطي…إلى أين؟

 لم يع الوسط السياسي، والفكري، والثقافي، رغم كل الشواهد الحسية، خطر إصراره على الدعاية إلى الديمقراطية بين المسلمين، وهو الأمر الذي وعته بفطرتها إحدى التلميذات وبعفوية حين اعترضت في اجتماع لوزير التربية الطيب البكوش في حكومة الثورة سنة 2011 بثلة من التلاميذ المتميزين في تونس لأخذ رأيهم حول إصلاح التعليم، قائلة:  » أرجوك سيدي الوزير، كلمتان مللناها فلا تكرروها علينا اليوم « البيداغوجيا والديمقراطية » فضحك الوزير، واستمرّ « الحوار » كطقس من طقوس الديمقراطية، عنوانه الحقيقي: « أنت تقول ما تريد ونحن نفعل ما نريد… » 

    واليوم، وبعد 15 سنة من الثورة، وعلاوة على التدخل الخارجي المعلن، حتى بتنا ندعى إلى التطبيع معه، فإن شواهد الفشل طالت كل قطاع. تعاقبت الحكومات، كلما انتصبت حكومة لعنت من سبقها، واتهمتها بالفساد والفشل. تطور النزاع على السلطة إلى جرائم سياسية، ثم اعتقالات وسجون وتنكيل بالخصوم… ولم يهتزّ الإجماع لديهم على صنم الديمقراطية، مقياسا للتحضر والتمدن، وعنوانا للوعي السياسي.  

     «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْن» [البخاري ومسلم].  

فلا استوعب القائمون على أمر البلاد والعباد الدرس من جحر اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق، مع الاتحاد الأوروبي، أو اتفاقية الاندماج الإفريقي السابقة مثلا، فأدخلنا جحر اتفاقية الشراكة الثنائية لضمان استمرارية التبادل الحر مع بريطانيا، ولا زالت ديمقراطيتهم تدفع بنا إلى جحور الأفاعي رغم النتائج الكارثية التي لا زالت تتردي فيها البلاد.  

     فرغم إدراك الجميع بأن الديمقراطية في جوهرها هي حرب على الله سبحانه وتعالى، وهو القائل جلّ وعلا: «  فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا  (65)ـ النساء ـ، فهي العامل الأساسي في حرمان المستضعفين من حقوقهم الشرعية، حين تضمن للمتنفذين من فرض التشاريع التي تحفظ لهم سلطانهم، و من ثروة الأرض، على الرغم من أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ﴾ [الحشر: 7]. والديمقراطية هي حامي التحالف مع أعداء الإسلام والمسلمين، على الرغم من أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51]. والديمقراطية هي الوصي عن التخلي عن المسجد الأقصى ومسلمي تركستان الشرقية و كشمير المحتلة، على الرغم من أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: 72].

    فارتكاس الأوساط السياسية والفكرية والثقافية في جحور الديمقراطية حجب عنهم، إدراك الحركة التي دبت في قلوب وعقول المسلمين في جميع أنحاء العالم، وتوقهم لنظام الإسلام وأحكامه العملية، ووسعيهم الحثيث نحو بناء يرعى شؤونهم بالإسلام كل ذلك بعد أن باتوا يشاهدون حسيا إفلاس المنظومة الفكرية للديمقراطية، وبروز عوامل الانهيار والتفكك لنظمها. حيث باتت شعوبها تفقد إيمانها بها، وبنزاهة العملية الانتخابية، حين صارت النتائج تدفع أمثال بولسونارو وترامب، إلى رأس السلطة.  

إن الإسلام اليوم ينهض ويشكل تحدياً كبيراً للنظام الليبرالي العلماني الفاشل، فالإسلام له نظام الحكم الخاص به والذي يتجلى في نظام الخلافة، لقد طُبّق الإسلام عمليا على مدار ما يزيد على 1300 عام وأثبت أنه يمتلك القدرة على توحيد الناس من شتى الأعراق والمنابت بل وصهر المعتقدات في بوتقة واحدة بشكل منسجم متماسك يحمي الشعوب والمجتمعات. فالعالم يعيش الأزمات والانقسام والبؤس والشقاء منذ سقوط الخلافة عام 1924م، فالسيادة في الإسلام هي حصراً لله سبحانه وليست للبشر، والمبادئ الأساسية في المجتمع تبنى على العدالة وتطبيق شرع الله سبحانه لا على أهواء الناس المتحيزة والمحدودة والمتغيرة أو حسب رغبات الحاكمين والمتنفذين في البلاد، قال تعالى﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 40

       فطريق الأمة نحو الانعتاق ليست ثورة للجياع، ولا هي نقمة على الأوضاع، بل هو حمل لرسالة الإسلام ومشروعه الحضاري. وهو في جوهره استرداد للإرادة وافتكاك للمبادرة من ايدي الغرب الكافر من أجل حمل رسالته للبشرية قاطبة لإنقاذها من براثن الديمقراطية العفنة. وإن في هذه الرغبة الجامحة لدى الناس في أن يحكمهم الإسلام بعدله ورحمته لعبئا ينضاف على كواهل الساسة والمفكرين للسير في الخلاص الوحيد هذا.

 

CATEGORIES
Share This