
تواجه أزمة في تجديد الأجيال.. هل تلجأ تونس لسواعد الأجانب بعد تهرم سكانها؟
بحسب فرانس24 كشفت دراسة، أجراها معهد فرنسي أن الدول المغاربية، وتحديدا تونس والجزائر والمغرب، تعرف تراجعا « تاريخيا » في عدد المواليد، يمكن أن يكون « مستقرا على المدى الطويل »، الشيء الذي سيتسبب في شيخوخة سكانية بدول المنطقة وإبطاء نمو عدد سكانها.
ففي تونس و بحسب نتائج التعداد العام للسكان لعام 2024، بلغ عدد السكان نحو 12 مليون نسمة، بنسبة نمو ديموغرافي لم تتجاوز 0.87 في المئة، وهي الأضعف منذ الاستقلال و الذي اعتمدت البلاد بُعيْده سياسة تحديد النسل، في ظل ما تمّ ترويجه وقتها من محدودية الموارد وتخوّف من انفجار سكاني – مزعوم- في مجتمع يعتمد بالأساس على الزراعة. وبعد أعوام غيرت البلاد « تحديد النسل « ، بـ »التنظيم العائلي « ، بينما ترسخت ثقافة التقليص من الولادات في العقل الجمعي التونسي ، وغذّاها ضعف القدرة الشرائية ، وتوالي الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وبذلك تحول المجتمع التونسي من « العائلة الممتدة » التي تتكون من أفراد كثيرين إلى « العائلة النواة » التي تكتفي بالأب والأم وطفلين أو ثلاثة في أقصى الحالات.
وبعد عقود من الزمن، أنتجت هذه السياسة ملامح تهرّم سكاني قد تكون له تداعيات اقتصادية واجتماعية على البلاد، منها ضعف القاعدة النشطة مقابل اتساع قاعدة المسنين.
و اليوم ، في واقع اقتصادي واجتماعي متأزم، ومؤشرات ديموغرافية تنذر بتوجه المجتمع التونسي نحو مزيد من التهرّم، تزداد الحاجة إلى عقل استشرافي يضع الحلول المناسبة ويبلور آليات عمل ناجعة تستأنس بالمؤشرات الديموغرافية حتى لا تتحوّل اليد العاملة الأجنبية ضرورة ملحة في تونس.
على الدولة تشجيع الشباب على الزواج
دعا عدد من الأستاذة الجامعيين المتخصصيين في الديموغرافيا والعلوم الاجتماعية الدولة إلى تشجيع الشباب على الزواج المبكر، من خلال توفير مساكن مدعمة، وتقديم منح مالية للأطفال لتحفيز الإنجاب، لأنّ تكوين الأسرة لم يعد يمثل أولوية لدى فئة واسعة من الشباب التونسي ، ولأنّ مثل هذه السلوكيات لها انعكاسات على التوازنات الاجتماعية والاقتصادية، في ظل تقلص نسبة السكان النشطين وارتفاع نسبة المسنين، التي قد تبلغ 20 بالمئة خلال 10 سنوات أو اقلّ من ذلك وهذا سينعكس سلبا على سوق الشغل و على موارد الصناديق الاجتماعية.
المهاجرون في تونس… هل يهددون فعلا التركيبة السكانية؟
من جهة أخرى، تزداد مخاوف التونسيين من تزايد أعداد المهاجرين الوافدين من أفريقيا جنوب الصحراء، وسط ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، وبات وجودهم يثير أسئلة جدية حول إمكان تغيير التركيبة السكانية للتونسيين، فهل هي مخاوف حقيقية أم نوع من التهويل؟
إنّ وجود آلاف المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء في تونس يطرح أزمة مركبة، اجتماعية واقتصادية، وسط تعالي الأصوات بضرورة إيجاد حل جذري لها ، خاصّة وقد تضاعف عدد المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء في تونس أكثر من عشر مرات، إذ كان عددهم لا يتجاوز 7 آلاف مهاجر عام 2010، ليتعدى 70 ألف مهاجر حالياً، وهو ما بات يطرح تحديات كبرى على الدولة والمجتمع.
هل يتحول المهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء إلى « قوة عاملة »
وبعيداً من التوظيف السياسي والخطاب التحريضي العنصري، فإنّ استمرار تدفق المهاجرين إلى تونس واستقرارهم، واحتمال حصولهم على الوثائق الإدارية، وسط تدهور المقدرة الشرائية للتونسيين والعزوف عن الزواج وتراجع معدل الخصوبة والإنجاب وتحول الأسر التونسية من العائلة الممتدة إلى العائلة النواة، المتكونة من ثلاثة أو أربعة أفراد، كلّ ذلك لا يمكن يحدث يالضرورة تغيرات جذرية على التركيبة الديموغرافية للمجتمع التونسي. و لكن هذا الوضع الدقيق دفع بعدد من المتابعين إلى الإقرار بأن تونس قد تصبح خلال أعوام في حاجة إلى يد عاملة أجنبية للاستجابة لحاجات عديد القطاعات كالفلاحة والبناء وغيرها، التي يعزف عنها الشباب التونسي ، و من جهة أخرى لا يمكن إلاّ اعتبار المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء رأس مال بشري وقوة عاملة عابرة يمكن استثمارها لتحريك العجلة الاقتصادية بدلا ممّا نراه اليوم من تصاعد لخطاب كراهية و عنصرية تجاهم.
ختاما
إنّ الوضع الديمغرافي في تونس ينذر بأزمة وجودية نتيجة تراكم سياسات خاطئة و تأثيرات خارجية ، إلاّ أنّ السبب الرئيسي يكمن في تغييب الإسلام عن الحكم و التشريع ممّا أضعف الدافع نحو تطبيق الأحكام الشرعية المتعلقة بالمحافظة على الأسرة باعتبارها نواة المجتمع و اتّباع سنّة النبي صلّى الله عليه و سلّم من حيث الدعوة للتكاثر و حثّ الشباب نحو الزّواج و سنّة الخلفاء من بعده في حفظ الدين و النسل على مدار أربعة عشر قرنا.
