هل صارت ايات الله عرضا للنقاش الاكاديمي؟!
أيعقل أن يمشي معتدٍ على عرض أم المؤمنين طليقاً، بينما يُسجن آخرون بتهمة « التآمر مع النفس »؟! أيعقل أن يُترك من يطعن في من زكاها القرآن من فوق سبع سماوات، ويُطارد من يطعن في « سيد القصر »؟! ما هذا الإفلات؟ وما هذا الجنون المؤسس الذي يأكل القيم ويبصق على الثوابت؟ إن إفلات هذا المعتدي ليس مجرد إهمال قضائياً عابراً، بل هو إعلانٌ صريح بأن الدين أصبح « خارج الغطاء القانوني » في بلادنا، وأن حرمة أمهات المؤمنين صارت رهناً لمزاج فاسق أو مستفز، وكأن آيات الله صارت عرضاً للنقاش الأكاديمي، وكأن الوحي لم ينزل، وكأن الله لم يتكلم! أين سوط الحد الذي أوجبه الله للمحصنات، وأم المؤمنين أولى به من كل من على وجه الأرض؟!
ونحن نستغرب انهيار الثقة في المؤسسات، حين تصبح الأعراض مباحة للنخب والمصالح محروسة بالقضاء. نرى أحكاماً بالسجن المؤبد تصدر بشبهات واهية، وتطالب بإعدام خصوم السلطة في العرض والشاشات والميادين، بينما نرى « شرفيات الإعلام » يعلون المنابر ويطعنون في عرض أم المؤمنين ويُتركون، كأن لهم حصانةً خارجاً عن القانون. هل نحن أمام شقين من العدالة : شق للموالين وشق للمخالفين؟ هل قوانيننا تُجرّم « التآمر مع النفس » وتُبرّر « التآمر على العقيدة »؟ أم أن « الخطأ » يختلف باختلاف صاحبه، فخطأ الإسلامي جريمة، وخطأ الفرنكوفوني حرية تعبير؟!
وحين يكون الأستاذ قدوة في الإساءة، والجامعة محضناً للاستفزاز، والشهادة غطاءً للطغيان الأخلاقي، فماذا ننتج؟ إننا ننتج أجيالاً تتعلم أن العلم « أداة » يُستباح بها كل شيء، وأن المنابر « محراب » تكسير لا محراب بناء. كيف نطالب بتحصين الأجيال ضد التطرف، ونحن نطبع التطرف في قلوبهم بأيدينا؟ كيف نبني بلداً وأصله الأخلاقي يُهدم بأيدي من يُفترض أنهم مشيّدوه؟!
متى نكشف من يدير هذه الألعاب القذرة من خلف الكواليس؟ المؤامرة المحكمة لكسر هيبة الإسلام في نفوس شعب مسلم وإحلال عبودية الحداثة محلها؟ ومتى نعلم أن الأمر لا يتعلق بالرمزيات، بل يتعلق بمصير هوية تُذبح على مذابح الإعلام؟!
وهل ننتظر من إنسان بسيط أن يحترم الدولة وهي لا تحترم أقدس ما عنده؟ حين يعلم أن « الفضيلة ليست فضيلة »، وأن « الكرامة ليست حقاً »، وأن « القيمة تُباع وتُشترى في سوق السياسة ». حين يُهان الدين ولا يُعاقب من أهانه، فأعلم أيها المسؤول أن المجتمع في مرحلة « التسيب الأخلاقي » التي تسبق الانهيارات الكبرى.
في النهاية، ليست تدوينة هذه الغوغائية مجرد حادثة رأي عابرة، بل هي قنبلة حارقة ألقيت عمداً في البيئة التونسية المشحونة، تؤدي ثلاث وظائف مترابطة: استفزاز معرفي بتحدي سلطة الإسلام ومكانته عند أهل تونس المسلمين، وأداة سياسية في خدمة صراع السلطة وإعادة تشكيل المشهد السياسي، وتفتيت اجتماعي بتعميق الانقسامات وإظهار أن مثل هذا الرأي له وجاهة وله من يمثلونه من النخب. وهي بهذا تصيب بدقة النقاط العمياء في الواقع التونسي ما بعد الثورة: الصراع بين التغريب والأصالة، وبين الهوية الجامعة والتعددية المتصارعة.
