لماذا تتعطل المشاريع الكبرى في تونس؟ أزمة إدارة أم أزمة نظام؟

لماذا تتعطل المشاريع الكبرى في تونس؟ أزمة إدارة أم أزمة نظام؟

لا يكاد يختلف اثنان اليوم على أن واحدة من أبرز الإشكالات التي تواجه الاقتصاد التونسي تتمثل في التأخير المزمن في إنجاز المشاريع الكبرى. فمشاريع استراتيجية في قطاعات النقل والطاقة والمياه والبنية التحتية بقي بعضها معطلاً لسنوات طويلة، بل إن بعضها تجاوز عقداً كاملاً بين الدراسات الأولية والانطلاق الفعلي في التنفيذ. وقد دفع هذا الواقع السلطات العمومية إلى إحداث آليات ولجان خاصة لتسريع إنجاز المشاريع العمومية ومتابعة المشاريع المعطلة وإزالة العراقيل التي تحول دون تنفيذها.

وتشير المعطيات الرسمية إلى أن الدولة ما تزال تخصص اعتمادات مهمة للاستثمار العمومي، حيث بلغت نفقات التجهيز في ميزانية 2024 نحو 9.87 مليار دينار مقابل 9.15 مليار دينار سنة 2023، كما تجاوزت الاستثمارات المباشرة للدولة 3.6 مليار دينار. غير أن حجم هذه الاعتمادات لا ينعكس دائماً على أرض الواقع بنفس الوتيرة، وهو ما يطرح سؤالاً محورياً: أين تكمن أسباب التعطيل الحقيقية؟

يُرجع العديد من الخبراء هذا التعثر إلى عوامل متداخلة، في مقدمتها البيروقراطية وتعقّد مسالك اتخاذ القرار، حيث تتوزع المسؤوليات بين هياكل مركزية وجهوية ومؤسسات متعددة، بما يجعل المشروع الواحد رهين إجراءات طويلة ومتشعبة. كما يُضاف إلى ذلك تشعب المنظومة القانونية وتراكم النصوص التي لم تعد ملائمة لمتطلبات الاقتصاد الحديث، إلى جانب ضعف التنسيق بين المتدخلين، وكثرة الإشكالات العقارية والبيئية والتمويلية، التي تؤدي في كثير من الحالات إلى تعطيل المشاريع لسنوات. وقد أقرت السلطات نفسها بوجود صعوبات هيكلية تستوجب معالجة شاملة تتجاوز الحلول الجزئية.

غير أن حصر الإشكال في الجانب الإداري وحده يبقى غير كافٍ. فالسؤال الأعمق يتعلق بطبيعة النموذج الاقتصادي نفسه وبالرؤية التي تتحكم في اختيار هذه المشاريع. إذ لا يكفي تسريع الإنجاز إذا لم تكن المشاريع مندرجة ضمن استراتيجية تنموية متكاملة تستهدف بناء قاعدة إنتاجية قوية ومستقلة نسبياً عن التقلبات الخارجية. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تمتلك تونس فعلاً مشروعاً اقتصادياً سيادياً طويل المدى، أم أن السياسات الاقتصادية ما تزال تتحرك ضمن أطر يحددها النظام الاقتصادي العالمي وتقسيمه الدولي للعمل؟

لقد فرض انخراط تونس في منظومة التبادل الحر اندماجها في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، لكنه كشف في الوقت ذاته عن اختلالات هيكلية، أبرزها العجز التجاري المزمن، خاصة مع الشركاء الأوروبيين، وتزايد الحاجة إلى التمويل الخارجي، وارتفاع المديونية العمومية التي بلغت حوالي 135 مليار دينار سنة 2024، أي أكثر من 81 % من الناتج المحلي الإجمالي. ويعتبر عدد من الباحثين أن هذه المؤشرات تعكس محدودية نموذج يعتمد أساساً على الاستهلاك والاستيراد والخدمات منخفضة القيمة المضافة، مقابل ضعف الاستثمار في التصنيع والتكنولوجيا والإنتاج الحقيقي للثروة.

ومن هذا المنطلق، فإن النقاش حول المشاريع الكبرى لا ينبغي أن يقتصر على آجال الإنجاز، بل يجب أن يمتد إلى سؤال الغاية والاتجاه. فما قيمة مشروع ضخم يُنجز في وقت قياسي إذا لم يكن جزءاً من رؤية اقتصادية قادرة على تعزيز الإنتاج والتشغيل وتقليص التبعية؟ وما جدوى الاستثمار في مشاريع متفرقة إذا كانت لا تؤدي في النهاية إلى بناء اقتصاد صلب ومستقل نسبياً عن الخارج؟

وفي هذا السياق، يطرح بعض الخبراء فكرة الانتقال من الاقتصادات القطرية المحدودة إلى تكتلات اقتصادية إقليمية كبرى، على غرار التجربة الأوروبية التي انطلقت من سوق مشتركة وتنسيق اقتصادي تدريجي بين الدول. ومن هنا يبرز تساؤل حول إمكانية بناء فضاء اقتصادي إقليمي أوسع بين الدول العربية والإسلامية، يقوم على التكامل الاقتصادي وتوحيد القدرات الإنتاجية بما يعزز القدرة على المنافسة العالمية.

هذا ما يكاد ينطق به الواقع للخروج من دائرة التبعية للغرب، وهذا هو عين ما يدعو إليه حزب التحرير استنادا إلى رؤية شرعية مستنبطة من الكتاب والسنة، تؤسس إلى نظام اقتصادي رباني يضمن التوزيع العادل للثروة ويعتمد عملة موحدة تقوم على قاعدة الذهب والفضة، باعتبارها بديلاً للنظام النقدي العالمي القائم على العملات الورقية والديون.

فبالإسلام فقط تتحقق النهضة الاقتصادية والصناعية، حيث تقوم على امتلاك التكنولوجيا وبناء الصناعات الثقيلة التي تمثل الأساس الذي تنهض عليه بقية القطاعات الصناعية والزراعية والعسكرية والتكنولوجية، وهذا ما تخشاه الدوائر الاستعمارية.

 

إن قدرة الدولة على إنجاز المشاريع الكبرى ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعمق بنيتها الإنتاجية والصناعية؛ فكلما كان الاقتصاد قائماً على تصنيع محلي متين، توفرت له الموارد والمواد والخبرات بسرعة وكلفة أقل، ما يضمن سرعة الإنجاز واستمراريته. أما في حالة ضعف النسيج الإنتاجي، فإن المشاريع تصبح أكثر ارتباطاً بالاستيراد والخبرة الخارجية، بما يزيد الكلفة ويطيل الآجال ويحد من التحكم في مسارها.

كما أن المشاريع المدنية الكبرى، رغم طابعها الهندسي، تعتمد بشكل كبير على مواد وتجهيزات صناعية مثل الحديد والإسمنت والمعدات التقنية، ما يجعلها بدورها مرتبطة بالقدرة الإنتاجية المحلية. وبالتالي فإن ضعف التصنيع ينعكس مباشرة على كلفة المشاريع وسرعة إنجازها وجودتها.

وفي المحصلة، فإن أزمة المشاريع الكبرى في تونس لا تختزل في الجانب الإداري أو القانوني فقط، بل ترتبط أيضاً بعمق النموذج الاقتصادي ذاته. ولذلك فإن نجاح أي مسار إصلاحي لا يقاس بعدد البنايات الشاهقة ولا بعدد المشاريع المنجزة أو سرعتها، بل بمدى اندماجها في رؤية استراتيجية شاملة تعيد الاعتبار للإنتاج، وتؤسس لاقتصاد صلب قادر على تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز السيادة الاقتصادية، ومنح الدولة هامشاً أوسع من الاستقلال في عالم يتسم بالتقلب والتنافس الشديد.

بقلم م. وسام الأطرش

 

CATEGORIES
Share This