الزكاة في تونس بين ثبات النص الشرعي وتقلبات السياسة النقدية
الزكاة في تونس بين ثبات النص الشرعي وتقلبات السياسة النقدية
لم تكن الزكاة في تاريخ الأمة الإسلامية مجرد شعيرة دينية فردية، بل كانت رافعة اقتصادية واجتماعية تضبط حركة المال، وتوزع الثروة، وتُسهم في استقرار الدولة. غير أن واقع تطبيقها في العالم اليوم الذي يسوده النظام الرأسمالي، يطرح إشكاليات مركبة، تتداخل فيها القراءة الفقهية مع المتغيرات الاقتصادية، وتتصارع فيها الإرادات السياسية مع إرث استعماري أثّر في بنية الدولة المالية.
قفزةٌ النصاب من « التكافل » إلى « الحصر الطبقي«
في تونس مثلاً، بلغ نصاب زكاة المال للعام الهجري 1448، مقدار 34 ألفاً و369 ديناراً و356 مليماً، بناءً على معيار 85 غراماً من الذهب الخالص، وبهذا الرقم الجديد نتحدث عن قفزة هائلة تجاوزت التسعة أضعاف خلال العشرية الأخيرة، إذ انتقلت بالنصاب من حدود 3,700 دينار في 2016 إلى أكثر من 34 ألف دينار في 2026.
هذه الطفرة الخطيرة، لم تعكس تحسناً في ثروة البلاد، بل هي انعكاس صارخ لـتضخم الدينار، وارتفاع جنوني في أسعار الذهب عالمياً، وتآكل القوة الشرائية، وهو ما يجعل الزكاة عملياً حكراً على شريحة ضيقة من كبار المالكين، بينما يستثني منها أصحاب المدخرات المتوسطة (كمن يملك 10 أو 20 ألف دينار)، مع أن هؤلاء لو قيست أموالهم بالفضة، لكانوا من المزكين الذين تجب عليهم الفريضة، إذ يُقدّر نصاب الفضة بحوالي 3,800 دينارٍ فقط، أي بفارقٍ يناهز تسعة أضعاف عن نصاب الذهب.
الزكاة من ركن إسلامي إلى أداة شكلية
هذا الارتفاع الفاحش في النصاب لا يُمثّل اجتهاداً شرعياً جديداً، بل هو وليد انسحاق الدينار وانخراط تونس في نظام نقدي ورقي لا تلتقي قواعده مع أحكام الإسلام التي تقوم على نقود ذات قيمة ذاتية (ذهب وفضة)، بل يخضع لسياسات تضخمية ومنظومة مصرفية ربوية تُصادر المدخرات وتُعطل دورات الإنتاج.
ربط النصاب بالذهب وحده، في غياب اعتماد الفضة أو مؤشرات القوة الشرائية، يُكرّس فجوة هيكلية بين أحكام الفقه وأدلته والواقع النقدي، ويُحيل الزكاة إلى عبادة شكلية لا تؤدي دورها في إعادة توزيع الثروة، خاصة حين تُترك دون مؤسسة رسمية تجمعها وتُوزّعها، وتُترك للعشوائية الفردية رغم أن تقديراتها السنوية تتجاوز 3.5 مليار دينار، أي ما يعادل 12% من ميزانية الدولة.
وقد كان الأولى إبقاء الخيار للمكلّف بين الذهب والفضة، لتوسيع قاعدة المزكّين وإدخال شريحة واسعة إلى دائرة الفريضة، بما يجعل من الزكاة أداة تكافلية فعلية، بدلاً من أن تبقى حبيسة فتوى سنوية منفصلة عن المؤسسة والواقع الاقتصادي حيث يظل النقاش الفقهي معلقاً بين رفع النصاب وتضييق القاعدة، وبين إهدار مورد مالي كان يمكن أن يُحدث فرقاً ملموساً في معالجة الفقر والخصاصة، ناهيك عن تطهير المال وتزكية الأنفس.
الهيمنة الخارجية وتعطيل الأحكام
يمثل الذهب والفضة في الإسلام عصب النظام المالي وموازين القيمة، حيث اعتبرهما الشرع « النقدين » الأساسيين. وقد نظّم الإسلام أحكامهما بدقة، فشَرَعَ فيهما الزكاة، وحدد ضوابط المعاملات المالية (الربا)، وبيّن أحكام الاستخدام والزينة، و بهما تم تقويم النصاب (85 غم ذهباً أو 595 غم فضة). وقد كانا عملة التبادل في زمن النبي ﷺ، وطيلة زمن الخلافة، وبنى عليهما الفقهاء معظم أحكام المال، من زكاة وربا وصرف…
الارتباط بالذهب والفضة هو الذي يخلق ما نسميه اليوم « فوضى »: فقيمة النصاب تتقلب بتقلب أسعارهما، لا بتغير الحكم الشرعي. وهذا التقلب يعكس في جوهره تغير قيمة العملة الورقية، لا تغيراً في النصاب الشرعي. والخلاف الفقهي بين نصاب الذهب والفضة هو ما فتح باب الاجتهاد لمراعاة الفقراء، وليس باباً للتعطيل.
الاستقرار النقدي مقابل التضخم: جوهر الأزمة
إن النظام النقدي القائم على الذهب والفضة كان ضامناً للاستقرار لقرون؛ إذ لا تستطيع الدولة « طباعة » المعدنين النفيسين، فتحد من التضخم، وتحافظ على القوة الشرائية، وتشجع الاستثمار الإنتاجي، بعكس النظام الورقي الحالي الذي يولّد تضخماً مزمناً، ويُصادر المدخرات، ويعطل دورات الإنتاج لصالح المضاربات المالية.
بدخول الاستعمار لبلادنا، فُرضت على البلاد الإسلامية أنظمة مصرفية وقانونية غربية بالكامل، ومن ثم واصلت مؤسسات كـصندوق النقد الدولي فرض سياسات اقتصادية عززت هيمنة النظام التقليدي. وكان التحول من قاعدة الذهب إلى العملات الورقية (بقرار نيكسون 1971) حدثاً محورياً، فرضته القوى الكبرى، فأثر مباشرة في أحكام الزكاة، وربطها بتقلبات سعر صرف العملات لا بقيمة الذهب المستقرة.
وبذلك، كان دمجا ، بل فرضاً خارجياً ووهنًا داخليًا، بدأ بالاستعمار واستمر عبر الهيمنة الاقتصادية، ثمّ الانخراط حُذو القُذّة بالقُذّة في نظام عالمي ينتقص من الأحكام المالية الإسلامية ليجعلها تابعة بل مُسوخًا.
خُلاصة القول،
غياب الدولة يُفقد الزكاة دورها المجتمعي: تقديرات الجمعية التونسية لعلوم الزكاة تشير إلى أن أموال الزكاة السنوية قد تصل إلى 3.5 مليار دينار، أي نحو 12% من ميزانية الدولة. هذا المبلغ، لو تم جمعه وتوزيعه عبر مؤسسة رسمية شفافة، لكان رافعةً للتنمية ومكافحة الفقر، لكن تركه للعشوائية يعني إهداراً اقتصادياً فادحاً.
النظام القائم على النقود الورقية الإلزامية، لا يُعطل الزكاة وحدها، بل يُعطل الاستقرار الاقتصادي بأكمله، وهو وريث تبعية استعمارية ما زالت مستمرة عبر الآليات المالية الدولية.
ولكن ، رغم كل هذا، تظل الزكاة فريضة الله في أموال الأغنياء، حقاً معلوماً للفقراء والمحتاجين، لا يعطلها تغير الأسعار ولا إهمال الحكام، لكن إقامتها على الوجه الأكمل تستدعي بديلا لا بد أن يكون جذرياً، يعود إلى نظام نقدي قائم على الذهب والفضة، يضمن الاستقلال الاقتصادي، ويُعيد للزكاة وللأحكام المالية الإسلامية هيبتها التطبيقية وقوتها المجتمعية، لتستعيد الأمّة نظامها المالي الذي يليق برسالتها العالمية، وشريعتها الغراء.
