من السوق الإفريقية إلى سؤال النهضة الصناعية

من السوق الإفريقية إلى سؤال النهضة الصناعية

بدعوة من محمد علي النفطي، وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج ، أدى وامكيلي مين الأمين العام لمنطقة التبادل الحر القارية الإفريقية (AfCFTA)، زيارة عمل إلى تونس من 10 إلى 13 جوان 2026، خُصصت لبحث آفاق التعاون الاقتصادي والتجاري وتعزيز المبادلات والاستثمارات وسلاسل القيمة داخل القارة الإفريقية. وقد أعادت هذه الزيارة إلى الواجهة الحديث عن فرص الاندماج الاقتصادي الإفريقي وما يمكن أن توفره السوق القارية من آفاق جديدة أمام تونس باعتبارها نقطة ربط تجاري بين أوروبا وإفريقيا.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح ليس حجم الأسواق المتاحة أو عدد الاتفاقيات المبرمة، بل طبيعة الاقتصاد الذي سيدخل هذه الأسواق. فالأمم لا تنهض باتساع فضائها التجاري فحسب، وإنما بما تملكه من قدرة على الإنتاج والتصنيع والتحكم في التكنولوجيا. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التوقف عند واقع الصناعة التونسية وأسباب تعثرها، قبل الحديث عن الفرص التي قد تتيحها أي شراكة أو منطقة تبادل حر.

تشهد تونس منذ عقود أزمة تنموية عميقة تتجلى في ضعف نسيجها الصناعي وعجزه عن تحقيق الاندماج التكنولوجي والقيمة المضافة الكفيلة ببناء اقتصاد قوي ومستقل. فبعد أن كان من المنتظر أن تتجه البلاد إلى تثمين ثرواتها الطبيعية والفلاحية وتحويلها محلياً عبر صناعات متطورة، تم التخلي مبكراً عن هذا التوجه لصالح نموذج اقتصادي قائم على الانفتاح التجاري واستقطاب الاستثمارات الأجنبية الموجهة أساساً لخدمة الأسواق الأوروبية. كما تم ربط اقتصاديات الداخل بسياسات الخارج وتكريس التبعية من خلال اتفاقيات غير متكافئة، على غرار اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي التي تم توقيعها سنة 1995، الأمر الذي حوّل تونس إلى فضاء للمناولة الصناعية يعتمد على التكنولوجيا المستوردة ويقتصر دوره على المراحل الأقل ربحية في سلاسل الإنتاج العالمية.

وقد ترتب على هذا الخيار فقدان جزء كبير من القيمة المضافة المرتبطة بالثروات المحلية مثل النفط والغاز والفسفاط والزيتون والمنتجات الفلاحية المختلفة، إذ يتم تصدير العديد منها في شكل مواد خام أو شبه مصنعة، بينما تستفيد الدول الصناعية من عمليات التحويل والتصنيع والتسويق والتطوير التكنولوجي التي تمثل الجزء الأكبر من الأرباح. كما أدى هذا الواقع إلى إضعاف البحث العلمي المحلي وهجرة الكفاءات التونسية التي لم تجد في الداخل بيئة صناعية قادرة على استيعاب خبراتها وتوظيفها في مشاريع استراتيجية كبرى، مقابل غياب سياسات تضع حدا لنزيف هجرة الأدمغة.

ولم يكن هذا الوضع نتيجة عوامل اقتصادية فحسب، بل ارتبط أيضاً بخيارات سياسية متعلقة بالمنوال الاقتصادي وبسياسة التصنيع، حيث أصبحت التنمية رهينة لنظام رأسمالي عالمي ومنظومة اقتصادية دولية تفرض على الدول الضعيفة أدواراً محددة تقتصر على توفير المواد الأولية واليد العاملة الرخيصة والأسواق الاستهلاكية. ومنذ سنة 2008، أصبحت المنتجات الصناعية الأوروبية الداخلة إلى تونس معفاة تماما من الرسوم الجمركية، وقد شكل ذلك (إلى جانب عوامل أخرى) عاملاً مهماً في تعميق الأزمة الصناعية والمساهمة في تفاقم عجز الميزان التجاري.

فتحرير المبادلات بين اقتصادين غير متكافئين صناعياً، في نظام يمتلك الغرب مفاتيح تشغيله، لا يؤدي إلى منافسة عادلة، بل يكرّس الفجوة القائمة بينهما. والنتيجة أن الواردات الصناعية تنمو بوتيرة أسرع من الصادرات، فتتسع الفجوة التجارية ويزداد الضغط على العملة الصعبة. إلا أن الأثر الأعمق لا يتمثل فقط في العجز التجاري، بل في تكريس نموذج اقتصادي يقوم على استيراد المنتجات ذات القيمة المضافة العالية مقابل تصدير المواد الأولية أو السلع الأقل تعقيداً. وهنا تصبح المشكلة بنيوية: فالعجز التجاري ليس مجرد خلل في الأرقام، بل انعكاس لخلل في موقع الاقتصاد داخل سلسلة الإنتاج العالمية، حيث يستهلك ما ينتجه الآخرون أكثر مما ينتج هو ما يستهلكه الآخرون.

ولذلك ظلت كل محاولات الإصلاح الجزئية ولا تزال عاجزة عن معالجة جذور الأزمة، لأنها لم تمس الأساس الذي يقوم عليه النموذج الاقتصادي المعتمد. غير أن معالجة هذا الخلل لا تقتصر على مراجعة بعض السياسات الاقتصادية أو تعديل الاتفاقيات التجارية، بل تتطلب رؤية شاملة تعيد تعريف انتماء تونس العقدي والتاريخي، وموقع الأمة في العالم وطبيعة مشروعها الحضاري ونموذجها الاقتصادي. فالتصنيع الحقيقي لا يبدأ بإقامة بعض المصانع الاستهلاكية أو توسيع الأنشطة التحويلية المحدودة، وإنما يقوم على امتلاك التكنولوجيا وبناء الصناعات الثقيلة والتي تشمل صناعة الآلات من الحديد والصلب والمحركات وهياكل الطائرات والصناعات الإلكترونية والصناعات النووية بما في ذلك الأسلحة وصناعة الفضاء وأمثالها. وهذا النوع من الصناعات يمثل الأساس الذي تنهض عليه بقية القطاعات الصناعية والزراعية والعسكرية والتكنولوجية.

إن النهضة الصناعية المنشودة لا يمكن أن تتحقق ضمن الحدود القطرية الضيقة التي تعاني من تشتت الموارد والأسواق والطاقات، وإنما في إطار دولة توحد بلاد المسلمين وتجمع ثرواتها البشرية والطبيعية في مشروع حضاري واحد قادر على التعامل مع التكتلات الاقتصادية، هو دولة الخلافة الراشدة التي يدعو إليها حزب التحرير، عسى أن تجد لها نقطة ارتكاز. فالعالم الإسلامي يمتلك من مصادر الطاقة والمعادن والموارد المالية والكفاءات العلمية ما يؤهله لبناء قاعدة صناعية عالمية متقدمة إذا ما وُضعت هذه الإمكانات في إطار سياسي موحد يتبنى الثورة الصناعية هدفاً استراتيجياً.

وفي هذا الإطار تصبح الصناعة الثقيلة والصناعات الاستراتيجية أولوية مركزية للدولة، باعتبارها المدخل الحقيقي للاستقلال الاقتصادي والسياسي والعسكري. فبدلاً من تصدير المواد الخام واستيراد التكنولوجيا، تتجه الدولة إلى بناء منظومة متكاملة للبحث العلمي والتطوير والتصنيع، بما يمكنها من التحكم في حلقات الإنتاج كافة ومن تثمين ثرواتها محلياً وتحويلها إلى منتجات عالية القيمة. عندئذ فقط يصبح الانفتاح على الأسواق، سواء في إفريقيا أو غيرها، فرصة لتعزيز النفوذ الاقتصادي وتحقيق الازدهار، لا وسيلة جديدة لإعادة إنتاج التبعية بأشكال مختلفة.

وعليه فإن التحدي الحقيقي الذي تطرحه هذه الزيارة لا يتعلق بكيفية الولوج إلى الأسواق الإفريقية فحسب، بل بكيفية بناء اقتصاد قادر على المنافسة داخلها. ومن الأسواق التجارية إلى سؤال النهضة الصناعية: ماذا تملك تونس لتبيعه؟

 

 

 

CATEGORIES
Share This