
البناء الاستراتيجي الأمريكي من السردية إلى التحالفات .. شمال إفريقيا نموذجًا
في 20 سبتمبر 2001، أعلن جورج بوش الابن « من ليس معنا فهو مع الإرهابيين »، مؤسساً لثنائية أخلاقية قسّمت العالم بين معسكر الحرية ومعسكر الإرهاب. أما في 2026 ، فيخاطب دونالد ترامب الحلفاء والخصوم بـ »من ليس معنا فهو فاشل »، مما يعكس تحولاً استراتيجياً عميقاً في تعريف الولايات المتحدة لعلاقتها بالعالم، خصوصاً في شمال إفريقيا حيث تتداخل مصالح الطاقة والهجرة والأمن.
تحويل التحالفات من مظلة ضمان إلى صفقة تجارية متقلبة
بوش جعل الصراع معركة خير وشر، وصنّف الدول حسب موقفها من « الحرب على الإرهاب »، معتبراً الإرهابي عدوًا أيديولوجياً، في حين انتقل ترامب إلى منطق « ماذا تحصل أمريكا مقابل ما تقدمه؟ »، محوّلاً المعيار من الشرعية الأخلاقية إلى شرعية الأداء، فأصبح « الفاشل » هو من لم يحقق النتائج المطلوبة، سواء كان دولة أو شخصاً. وبالتالي لم تعد الدول تُصنف بموقفها من الإرهاب، بل بقدرتها على تقديم قيمة ملموسة لواشنطن ، وفق استراتيجية الأمن القومي 2025 التي تركز على حماية المصالح الوطنية لا نشر الأيديولوجيات.
التحالف في الرؤية الترامبية لم تعد إطارًا أخلاقيًا أو استراتيجيًا طويل الأمد يقوم على تقاسم المصير، بل تحوّل إلى صفقة آنية تُحسب بنظام « الكلفة مقابل العائد ». فبينما كان جورج بوش الابن ينظر إلى الحليف باعتباره شريكًا في معركة وجودية ضد الإرهاب، ويرى في القوة الأمريكية أداة لإعادة تشكيل النظام الدولي وفق رؤية أخلاقية ، فإن ترامب يخاطب حلفاءه بلغة السوق: « أثبتوا أنكم تستحقون الشراكة، وادفعوا ثمن وجودكم تحت المظلة ». وقد تجسد هذا المنطق بوضوح في استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 التي رفعت شعار « تقاسم الأعباء ونقلها » من مجرد إجراء تكتيكي إلى عقيدة استراتيجية ، حيث لم تعد واشنطن تطلب المساعدة فحسب، بل بدأت تنقل مسؤوليات أمنية كاملة إلى أطراف إقليمية. ولمّا كان تحالف مكة (تركيا – السعودية – باكستان) في أغسطس 2026 اختبارًا عمليًا لهذه الفلسفة ، فإن ترحيب ترامب به لم يكن من باب دعم التكامل الإقليمي، بل ابتهاجًا بوجود كتلة قادرة على تسيير أمن منطقة بأكملها دون أن تكلّف الخزانة الأمريكية دولارًا واحدًا.
في شمال إفريقيا، ترجم هذا المنطق إلى تصنيف جديد للدول لم يعد يقسمها إلى « صديق وعدو »، بل إلى « شريك مفيد » يستحق الدعم، و »شريك مكلف » يجب الضغط عليه، و »منافس » يجب احتواؤه، و »دولة فاشلة » يمكن تركها لأطراف إقليمية تدير فوضها، وهو ما عبّر عنه قائد أفريكوم صراحة حين اعتبر دول المغرب العربي « مصدر قلق خاص » يتطلب تحميل الشركاء المحليين جزءًا من عبء الاستقرار فيه.
استمرارية الدولة الأمريكية وتطبيقاتها التفاضلية في شمال إفريقيا
غير أن التغير الحزبي في واشنطن، رغم حدته الخطابية، لا يمس بثوابت الدولة الأمريكية العميقة المتمثلة في التفوق العسكري والتكنولوجي، وقيادة التحالفات، ومنع بروز منافس قادر على إزاحتها عن عرش النظام الدولي.
فالرؤساء الأربعة – بوش ، أوباما ، ترامب ، بايدن – يشتركون في هذه الأهداف الجوهرية، لكنهم يختلفون في أسلوب تغليفها وإدارتها. وإذ كان أوباما قد رفض منطق « معنا أو ضدنا » من دون أن يفكك البنية الأمنية التي ورثها ، فإن ترامب ذهب إلى أبعد مدى حين حوّل شعار « أمريكا أولًا » من هتاف شعبي إلى إطار مؤسساتي يُعيد ترتيب الأولويات العالمية على أساس المصالح المباشرة، واضعًا نفسه في موقع من يملك حق تقييم أداء الحلفاء ومنحهم شهادة النجاح أو الفشل.
هذا التوجه التطبيقي تجلى بوضوح في المقاربة الأمريكية تجاه شمال إفريقيا، حيث شهدت ليبيا عودة واشنطن من بوابة النفط ، فحيث رهنت استثماراتها ووعودها بإعادة فتح السفارة (عبر تخصيص 41 مليون دولار) بتحقيق الوحدة بين الفصائل، ساعية إلى إزاحة النفوذ الروسي وضمان قاعدة عسكرية دائمة؛ في المقابل واجهت تونس، الدولة التي لا تملك ثقلًا إقليميًا مع أهميتها الإستراتيجية ، تهديدًا بالعقوبات ورسومًا جمركية قاسية بنسبة 25%، ما جعلها مطالبة باختيار موقعها داخل شبكات القوى الإقليمية بدل الاعتماد على مظلة غربية تقليدية. وعلى النقيض من ذلك، حظي المغرب بمعاملة استثنائية وُضع فيها كشريك استراتيجي رئيسي ، مع دراسة كونجرسية لوضع خارطة طريق لعشر سنوات تجعله الركيزة العسكرية الأمريكية في القارة ؛ أما الجزائر فقد سعت هي الأخرى إلى توجيه بوصلتها نحو واشنطن عبر مذكرة تعاون عسكري، مستفيدة من ثقلها الإقليمي ومحاولة تجنّب التهميش. هذا التمايز الحاد في المعاملة يثبت أن الولايات المتحدة، تحت أي إدارة، تتعامل مع المنطقة كسوق توزع فيه الامتيازات بحسب ما يراه كل رئيس، لكن وفق المنهج الترامبي ، تتحوّل هذه التفرقة إلى أداة يومية للضغط والمساومة، لا إلى إطار ثابت للعلاقات الإستراتيجية، مما يجعل أي شريك مهددًا بتغيير تصنيفه بين ليلة وضحاها.
طموح تغيير النظام الدولي بين التعطيل والتراجع
إن ما تقدمه إدارة ترامب الثانية اليوم يتجاوز حدود التعديل التكتيكي ليصبح محاولة معلنة لإعادة تعريف جوهر العلاقة الأمريكية بالنظام الدولي بأسره ، حيث حملت استراتيجية الأمن القومي الصادرة في ديسمبر 2025 قطيعة صريحة مع النموذج الغربي الذي ساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، برفضها مفهوم العولمة واعتبارها « النظام الدولي القائم على القواعد » مجرد عبء يجب التخلص منه. غير أن هذا الطموح الهائل، الذي يهدف إلى تحويل واشنطن من « منتج عام » للنظام الدولي إلى « لاعب صفقات » يستخدم القوة للحصول على شروط تجارية أفضل، يواجه حقائق مريرة، إذ تشير التقييمات إلى أن الإدارة الأمريكية نجحت في تعطيل النظام القائم أكثر مما نجحت في بناء نظام بديل متماسك، فرضت رسومًا جمركية على 90 دولة وانسحبت أو أوقفت دعمها لعشرات المنظمات الدولية، لكنها في المقابل شهدت تراجع تأييد الرئيس إلى 33% مع تعثر مساعيه في أوكرانيا وغزة وإيران، مما يكشف أن الخطاب النفعي ، رغم قوته التهديدية ، لا يبني ولاءات ولا يضمن استقرارًا.
التراجع الأمريكي حقيقة و الاعتماد على الذات ضرورة
إن تغير الخطاب من « التحالف في معركة الخير والشر » إلى « ادفعوا ثمن الشراكة أو كونوا فاشلين » ليس مجرد تبدل في الصياغة الدبلوماسية، بل هو وثيقة اعتراف صريحة بتراجع أمريكي خانق تعجز واشنطن عن الإفصاح عنه صراحةً.
فالدعوة للاعتماد على قُوانا الذاتية ليس شعاراً عاطفياً، بل ضرورة وجودية في عالم أصبحت فيه الحماية الأمريكية سلعة تباع وتشترى، وتتغير شروطها وفقاً لمزاج رئيس لا يخضع لأخلاقيات الدولة بل لحسابات برجه التجاري، ناهيك عن حرمتها من الناحية الشرعية.
فبدلاً من أن يتصارع أبناء الأمّة الواحدة على مكاسب محدودة من طاولة أمريكية تهتز أركانها ، أو أن نراهن كل منها على نفوذ إقليمي منافس تتزعزع موازينه، فالحقّ والواجب والأمانة، يقتضي من أهل القوة فينا أن يجلسوا معاً، ويضعوا إستراتيجية دفاعية وتنموية موحدة، تكون نواة صلبة لمشروع الأمّة السياسي والحضاري، المتمثّل في استئناف الحياة الإسلامية وإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، سبيل العزّ والتمكين وصاحبة الشأن على حلبة الصراع الدولي.
هذا هو الضمان الوحيد الذي لا تسقطه الأزمات، ولا تزعزعه تغيرات الرؤساء، ولا تنال منه نزوات السياسات الأمريكية المتعاقبة. فحان الوقت أن تنتزع الأمّة قرارها من قبضة الرهان على الفاشلين والنفعيين، وتكتب مستقبلها بيدها، لأن من لا يملك قوته الذاتية لا يملك إرادته، ومن يراهن على خائن للتحالفات يُصبح مع الوقت خائناً لنفسه.
