
بن قردان، أين كرامة بني آدم؟
من بن قردان، حيث ابتلع البحر شبانًا لم يجدوا في وطنهم ما يكفيهم من أمل، إلى جرجيس التي لم تندمل جراحها، إلى مدن عطشى تنتظر الماء، وأناس ينتظرون الكهرباء والوقود، وعاطلين ينتظرون عملاً لا يأتي، وسجناء يواجهون الموت في سجون مكتظة، تبدو البلاد وكأنها ساحة انتظار شاسعة، حيث لا شيء يصل، ولا شيء يتحرك، ولا شيء يتغير إلا نحو الأسوأ.
والكل ينتظر، ومن يراهن على الدولة ليصله منها شيء، فكأنما ينطبق عليه قول الله تعالى: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾.
لكن هذه الأزمات، على خطورتها، ليست سوى أعراض لأزمة أعمق: أزمة قيمة الإنسان ومكانة النفس البشرية في ظل غياب سلطان الإسلام. فالأخطر من غياب السلطة وعجزها عن معالجة الأزمات، أن يتولد في نفس الإنسان شعور بالذل والمهانة، وبأنه بلا قيمة، ولا حماية، ولا كرامة. وهذا ما يجعل قوارب الموت أشبه بتصويت صامت بالمغادرة، حين يصبح البحر، بكل ما فيه من موت، أقل قسوة من البقاء. وهنا ينبغي أن نعود إلى الأصل الذي غُيّب عن النقاش: ما مكانة الإنسان في الإسلام؟
لم يجعل الإسلام كرامة الإنسان منحة من حاكم أو سلطة، وإنما جعلها تكريمًا إلهيًا أصيلاً:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].
ثم حمى هذه الكرامة بأحكام تحفظ النفس والمال والعرض، فقال رسول الله ﷺ في خطبة الوداع: إنَّ دِماءَكُم، وأمْوالَكم وأعْراضَكُم حرامٌ عَلَيْكُم كَحُرْمة يومِكُم هَذَا، في شهرِكُمْ هَذَا، في بلَدِكُم هَذَا، ألا هَلْ بلَّغْت؟ ». متفقٌ عَلَيهِ. ويقول ﷺ فيما رواه مسلم عن ربه تبارك وتعالى: « يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ».
فالكرامة في الإسلام ليست شعارًا يرفع في الخطب، وإنما أحكام ومسؤوليات: لا تُهدر نفس، ولا يُظلم إنسان، ولا تُترك الرعية لمصيرها، ولا تتحول السلطة إلى وسيلة لإذلال الناس. ولهذا قال ﷺ: «لهدمُ الكعبةِ حجرًا حجرًا أهونُ على اللهِ من قتلِ المسلمِ». وقال ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».
فالحاكم في الإسلام راعٍ، والولاية أمانة، ورعاية شؤون الناس ليست تفضلاً منه، بل مسؤولية يحاسب عليها. ومن تولى أمر المسلمين صار مسؤولًا عن رعايتهم. فإن كان يملك السلطان فعليه أن يقوم بأعبائه، وإن كان لا يملك القرار فعليه أن يبيّن للناس حقيقة الأمر، وأن يتنح جانبا لمن هو أقدر منه، لأن بقاء الحاكم واجهةً لسلطة يمارسها غيره لا يرفع عنه سؤال المسؤولية، ولا يحوّل العجز إلى شرعية. هذا لمن يحكم بالإسلام، فما بالنا وقد فرض علينا اليوم حكم بغير ما أنزل الله وظلم عظيم لا يجب السكوت عنه؟
وقد فهم الصحابة معنى الأمانة والمسؤولية حق الفهم. فعندما طلب أبو ذر الغفاري رضي الله عنه ولايةً، قال له النبي ﷺ: «إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها».
ويُروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: «لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها: لِمَ لم تمهّد لها الطريق يا عمر؟».
وهذا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان يقول: انثروا القمح على رؤوس الجبال، كي لا يُقال جاع طير في بلاد المسلمين!
أما في زماننا، فلم تتعثر بغلة، وإنما تعثرت بلاد بأكملها، ومات الناس فقرًا وقهرًا وغرقًا، ولا يزال السؤال عن الأمانة والمسؤولية بلا مجيب.
وليس عابرًا أن يستعيذ النبي ﷺ من قهر الرجال، فيقول: «وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال». فالقهر الذي يكسر الإنسان ويضعه في موضع العجز والمهانة أمر استعاذ منه رسول الله ﷺ.
وقد كانت الكرامة أحد أبرز الشعارات التي خرج من أجلها الناس في تونس سنة 2011، لكن المفارقة المؤلمة أن الإنسان أصبح اليوم يطالب بما هو أدنى: بالماء، والدواء، والعمل، والأمن، وبسبب يجعله يختار البقاء بدل ركوب البحر.
ولذلك فإن السؤال الذي تفرضه مأساة بن قردان ليس فقط: لماذا هاجر هؤلاء الشباب؟ بل: أيُّ واقع بلغ بالإنسان أن يرى في الموت احتمالاً أقل قسوة من الحياة؟
وهنا لا يمكن أن يكون الجواب مجرد تغيير حكومة أو رئيس أو برنامج اقتصادي. فقد جُرّبت هذه الحلول مرارًا، والمشكلة أعمق من تبديل الأشخاص والبرامج. إنها في أصل النظام الذي يحكم حياة الناس، وفي المرجعية التي تُستمد منها أحكام الدولة والمجتمع.
لقد فُصل الإسلام عن معترك الحياة، وحُصر عند كثيرين في العبادات الفردية، بينما تُرك الحكم والاقتصاد والقضاء والاجتماع لنظم وتشريعات من خارج منظومتنا الإسلامية. مع أن الإسلام لم ينزل ليهدي الإنسان في المسجد فقط، وإنما جاء ليقيم الحياة على العدل والقسط، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ…﴾ [النحل: 90]، وقال سبحانه: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25].
بل جاء الإسلام ليحكم ويسير شؤون الناس. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105].
وعليه، فإن استرداد الكرامة لا يكون بجعلها شعارًا وطنيًا، ولا بتبديل الوجوه، وإنما بالعودة إلى المصدر الذي جعل كرامة الإنسان أصلاً: الإسلام لا غير.
وتونس، بلد الزيتونة، وأرض الفاتحين، ليست غريبة عن هذا الدين ولا عن حضارته. والمطلوب ليس استدعاء الإسلام كهوية رمزية أو خلفية ثقافية، بل استعادته نظامًا للحياة والمجتمع والدولة، نظامًا يجعل العدل حكمًا، ورعاية الناس واجبًا، والظلم محرّمًا، وكرامة الإنسان أصلاً لا يقبل المساومة. وهذا هو التغيير الجذري الذي يدعو إليه حزب التحرير، وما دونه ترقيع لواقع رأسمالي متعفن، وجريمة في حق الإنسان، يشترك فيها وجوه الحكم والمعارضة، ما داموا متمسكين بقشة الديمقراطية، وبالمنتجات الغربية الفاسدة.
لقد ضاعت فرص وثروات وأحلام، وربما سنوات كاملة من أعمار أجيال. لكن أخطر ما يمكن أن نضيّعه هو الإنسان نفسه: أن يفقد ثقته بقيمة حياته، وأن يرى البحر أرحم من بلده، وأن تصبح الكرامة حلمًا بعيد المنال.
فالقضية المصيرية اليوم ليست أن نغيّر الوجوه، وإنما أن نغيّر النظام، وأن نوجه إليه كل سهام الغضب، وأن نعيد الإسلام إلى الحياة، حتى يستعيد الإنسان كرامته التي كرّمه الله بها، وينتصر في معركة الوعي. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 24]
