
مشروع القطار السريع العابر للمغرب العربي
في 26 أوت/أغسطس 2026، أعاد البنك الإفريقي للتنمية إحياء ملف كان يرقد في أدراج المؤسسات الدولية منذ سنوات: مشروع القطار السريع العابر للمغرب العربي، ذلك الحلم الذي يربط الدار البيضاء بالجزائر وتونس عبر شريان حديدي طوله 2300 كيلومتر، بكلفة تقديرية تتراوح بين 3.8 و4 مليارات دولار. لكن ما إن أعلن البنك عن إنجاز دراسة الجدوى، حتى عاد السؤال الأبرز إلى الواجهة: لماذا يبقى هذا المشروع حبيس المرحلة التحضيرية ، رغم جاهزيته التقنية والمالية؟
المشروع بين الجاهزية التقنية والتجميد السياسي
إنه مشروع ليس وليد اللحظة، بل ثمرة دراسة استمرت سنوات، مولها البنك الإفريقي للتنمية بـ 1.7 مليون دولار، وأنجزتها شركات دولية متخصصة، وانتهت إلى خطة هندسية محكمة: مضاعفة بعض المقاطع، كهربة الشبكة بـ 2×25 كيلوفولت ، ونظام إشارات أوروبي متطور ERTMS من المستوى الثاني. ووفق التقديرات، سينقل القطار 4689 مسافراً يومياً في البداية، ليرتفع العدد إلى أكثر من 12 ألفاً بحلول 2065، كما سينقل آلاف الأطنان من البضائع، ما يخفض تكاليف النقل بنسبة 40%، ويختصر زمن السفر من 48 ساعة إلى 25 ساعة فقط بين الدار البيضاء وتونس.
لكن التقرير الذي نشرته « لإيكونوميست ماغريبين » في 26 أغسطس 2026 يحمل مفارقة صارخة: البنك لم يعلن عن تمويل، ولا عن جدول زمني، ولا عن موعد لانطلاق الأشغال. المشروع، بتعبير دقيق، « جاهز هندسياً، مجمد سياسياً ». فالسكة الحديدية التي تصل بين المغرب والجزائر تمر عبر حدود برية مغلقة منذ 1994، وعلاقات دبلوماسية مقطوعة منذ 2021. وهنا تكمن القضية: القطار لا يحتاج إلى اختراع تقني، بل إلى قرار سياسي. وهو ما عبّر عنه البنك بوضوح: « العائق لم يعد تقنياً ولا مالياً ، بل سياسيًا بامتياز ».
الانسداد السياسي وصراع الروايات
عندما يسأل المرء: من المسؤول عن تعطيل هذا المشروع الحيوي؟ تتداخل الإجابات لتشكل لوحة متناقضة من الاتهامات المتبادلة. فالمغرب يرفع صوته قائلاً: « نحن دعونا مراراً إلى فتح الحدود، لكن الجزائر ترفض ذلك ربطاً بقضية الصحراء ». وفي المقابل، ترد الجزائر: « إغلاق الحدود كان رداً سيادياً على إجراءات مغربية، والقطيعة جاءت بعد أعمال عدائية، فكيف نثق بجوار لا يحترم سيادتنا؟ »
في هذا الجدل، يذهب المحللون إلى أبعد من ذلك، إذ يرون في إصرار كل طرف على موقفه أهدافاً غير معلنة: المغرب يريد تثبيت مكاسب الصحراء عبر فتح الحدود، والجزائر تريد الاحتفاظ بورقة الضغط الأخيرة، وكلا الطرفين يدرك أن أي تنازل قد يُقرأ كخسارة استراتيجية.
أما تونس، التي تبدو الأكثر حماسة للمشروع، فقد أدرجت نسخة محلية منه في مخططها 2026-2030، لتربط شمال البلاد بجنوبها، وتفتح أبوابها على عنابة الجزائرية ورأس الجدير الليبية. لكنها، في الواقع تعاني من أزمات اقتصادية وسياسية تجعل مشروعها المحلي غير قابل للإنجاز ولو على مستوياته الدُنيا، لتنتظر انفراجة سياسية بين الرباط والجزائر عسى أن تتحول شبكتها الداخلية إلى حلقة في سلسلة مغاربية كبرى.
المصالح الخارجية واللعبة الدولية
وإذا كان الصراع بين المغرب والجزائر يبدو ثنائياً، فإن الأطراف الخارجية تحيك في الخلفية نسيجاً معقداً من المصالح المتضاربة. ففرنسا، المستعمر السابق، تبدو في موقع المستفيد الأكبر من استمرار الانقسام: سوق مغاربية موحدة تضم 100 مليون مستهلك قد لا تحتاج إلى وساطة باريس، كما أن اتحاداً قوياً سيطالب بمراجعة اتفاقيات ما بعد الاستعمار. لذلك، تبيع فرنسا السلاح للطرفين، وتدعو رسمياً إلى الوحدة، لكنها تدرك أن فرقة الخصوم تخدم مصالحها أكثر من وحدتهم.
أما إسبانيا، فترى في الحدود المغلقة مكسباً اقتصادياً، إذ أن افتتاح الممر البري سيحول البضائع الأفريقية عن مضيق جبل طارق وموانئها. وروسيا، التي تزود الجزائر بأكثر من 60% من وارداتها العسكرية، تدرك أن استمرار التوتر يعني استمرار صفقات السلاح بمليارات الدولارات. وفي الجانب الآخر، تقف الولايات المتحدة وكيان يهود مع المغرب في تحالف استراتيجي، لكن واشنطن لا تريد حرباً بين حليفين، فتكتفي بدعم « لا حرب ولا سلم »، ما يسمح لها ببيع الأسلحة والغاز في آن واحد.
وحتى الاتحاد الأوروبي، الذي يريد غاز الجزائر ونفوذ المغرب في الهجرة، لا يرحب بقطب مغاربي موحد ينافسه في البحر المتوسط. وهكذا ، يتكرس واقع غريب : القوى الدولية كلها، بدرجات متفاوتة، تجد في الانقسام المغاربي مصلحة ، بينما يدفع أهل البلاد المغاربية الثمن غالياً.
الموانع الشعبية والجدار الإعلامي
غير أن الأطراف الخارجية ليست وحدها المسؤولة عن تجميد المشروع. فهناك موانع شعبية عميقة، بناها عقود من الإعلام المتشنج والتعليم المنحاز. فجيل اليوم من الشباب المغاربي ، في المغرب والجزائر وتونس ، لم يلتقِ بجيرانه، لكنه تربى على صور نمطية مشوهة عنهم. في المدارس الجزائرية ، يُوصف المغرب بـ »النظام التوسعي » ، وفي المغرب ، تُوصف الجزائر بـ »الدولة العسكرية التي تفرق المغرب ». هذه الروايات المتقابلة أنتجت جداراً نفسياً لا يقل صلابة عن الجدار الحديدي على الحدود.
والخوف الاقتصادي يضاعف الأزمة: الجزائري يخشى غزو المنتجات المغربية الرخيصة، والمغربي يخشى تهريب الوقود المدعوم من الجزائر. كما أن غياب النخبة الموحدة، واندثار الزيجات المختلطة، كلها عوامل جعلت الشعوب لا تُبالي بخطورة الانفصال، بل تخاف من تحمل مسؤولية الوحدة. وكما يقول التونسي العادي : « لو فُتحت الحدود ، سيغزونا 45 مليون جزائري و 36 مليون مغربي ، وترتفع الأسعار والكراء » .
لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فالقطار، بحسب الدراسة المقدمة للبنك، ليس مجرد شريان حديدي، بل هو أداة لإعادة بناء شعب واحد. فحين يركب تونسي من تونس ويصل إلى فاس في 15 ساعة ، ويرى أن الخبز نفسه، واللباس نفسه، والكلام نفسه، ستنهار الصور النمطية المزروعة في عقود من الانفصال. وهنا تكمن المفارقة: الموانع الشعبية ليست دينية ولا عرقية، بل سياسية وإعلامية، مما يعني أنها قابلة للزوال لو توفر قرار سياسي شجاع، ومناخ إعلامي صادق.
الخاتمة: حلم الشيخ صالح الشريف ينتظر القرار
وفي لحظات اليأس، يستدعي التاريخ ذكرى رجل لم يتجاوز عمره الثلاثين حين كتب كلمة « استقلال » في جريدة تونسية عام 1906. إنه الشيخ صالح الشريف، الزيتوني الجزائري المنشأ، الذي نفته فرنسا إلى برلين، وهناك، في عز الحرب العالمية الأولى، أسس مع ثلاثة من رفاقه أول حزب مغاربي في التاريخ، تحت شعار: « تونس والجزائر والمغرب قضية واحدة ».
تخيلوا ذلك المشهد: رجل تونسي-جزائري، في ثلج برلين، يحلم بقطار يربط تونس بتلمسان ووجدة وفاس… نفس القطار الذي ينتظر اليوم، بعد 110 سنوات، قراراً سياسياً ليتحول من دراسة في 468 صفحة إلى واقع ملموس.
نعم، القطار المغاربي ليس مجرد مشروع هندسي، بل هو اختبار لإرادة المنطقة في التجاوز عن صغائر الخلافات، والعودة إلى جوهر التاريخ المشترك. فالمغرب والجزائر، طوال 1300 سنة من التاريخ الإسلامي، كانا دولة واحدة في أغلب فترات الزمن، والشعبان ينتميان إلى القبائل نفسها، والمذهب نفسه، والطرق الصوفية نفسها. الانفصال الحالي بحدود مغلقة هو استثناء مؤلم، وليس قاعدة تاريخية.
السؤال الآن ليس تقنياً، ولا اقتصادياً، بل هو سؤال إرادة: هل يريد المغاربة حقاً أن يركبوا قطارهم نحو المستقبل، أم سيبقون سجناء حدودهم ورواياتهم المتناقضة؟
الجواب، في النهاية، ليس في يد البنك الإفريقي، ولا في يد القوى الخارجية، بل في قلوب 100 مليون مغاربي، وإرادة أهل القوة فيهم، حين يقررون أن الوحدة واجب شرعي فوري التنفيذ و التغيير ضرورة سياسية آن أوانها، وأن القطار الذي ينتظر منذ عقود، يستحق أن ينطلق أخيراً.
