السجن كأصل عقابي : اختراع حداثي لا علاقة له بالإسلام

السجن كأصل عقابي : اختراع حداثي لا علاقة له بالإسلام

مع صعود عصر التنوير في أوروبا، حدثت قطيعة بين النظم التقليدية والفلاسفة انتهت بثورة فكرية نادت بسيادة العقل والتقدم وتفكيك المطلقات. حيث قاد الفلاسفة أمثال الإيطالي سيزاري بيكاريا في كتابه الشهير « عن الجرائم والعقوبات » (1764)والفرنسي مونتسكيو الدعوة لأنسنة العقوبة. وطالبوا بإلغاء التعذيب والتعديل الفوري للعقوبات البدنية القاسية. وبما أن « الحرية » أصبحت تُعتبر أثمن ما يملكه الإنسان في تلك الفلسفة، غدا سلب هذه الحرية هو العقوبة العادلة البديلة.

فانتقلت النظرة إلى الجريمة من « شر مطلق » يستوجب التنكيل إلى ظاهرة اجتماعية ونفسية تُعالج بالتأهيل والإصلاح. وبرزت مدرستان:

النفعية (بنثام)، وترى العقوبة أداة هندسة اجتماعية زجرية تُشرعن بقدر ما تحقق المنفعة العامة، وجسّدها في « البانوبتيكون »، سجن دائري يتيح لرقيب واحد مراقبة الجميع دون أن يروه.

مدرسة العدالة الأخلاقية (كانط)، وترى العقاب واجباً أخلاقياً ماضوياً لإقرار القصاص وإعادة التوازن، دون استخدام الجاني وسيلة لترهيب الآخرين.

 

تفكيك الحداثة الجنائية ومعضلة المدارس النقدية

 

فكك الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو(1926-1984) في كتابه  « المراقبة والمعاقبة » (1975) ادعاء « أنسنة العقوبة »، كاشفاً أن الانتقال إلى السجن لم يكن بدافع أخلاقي، بل تحول في « تكنولوجيا السلطة ». وقام نقده على أربعة محاور: وهم الأنسنة، إذ تستهدف السلطة « الروح والوعي » لإنتاج « أجساد طائعة »؛ عمومية البانوبتيكون، إذ تجاوز النموذج السجون إلى المدرسة والمصنع والمستشفى، فيمارس الفرد رقابة ذاتية؛ إنتاج الجريمة، فالسجن يفشل في خفضها لكنه ينتج « مجرمين محترفين » تبرر بهم السلطة تغولها؛ أقنعة الخبراء، إذ تحول القضاء إلى علم تشخيصي طبي ونفسي نزع البعد السياسي والأخلاقي عن الجريمة.

 

ويلتقي هذا النقد مع المدارس القانونية النقدية في فضح الحياد الزائف للقانون. لكن المعضلة الكبرى بقيت : هل الإصلاح من الداخل عبر تفكيك النصوص واستغلال ثغراتها (التيار التفكيكي)؟ أم الهدم الراديكالي لأن المنظومة تحمل الجور في بنيتها (فوكو والماركسية)؟ الأول يرى القانون ساحة صراع مرنة، والثاني يرى الإصلاح فخاً يعيد إنتاج السلطة.

 

بدائل السجن في الفقه الإسلامي.. عقوبات تصلح ولا تعطل

 

لم يكن السجن في الإسلام هو الأصل، بل عقوبة استثنائية ووسيلة احتياطية. والفقهاء قديماً كرهوا إطالة الحبس لأنها تتعدى الجاني إلى أهله، وتعطل طاقته، وتكلف بيت المال، وتصادم مقاصد حفظ النفس والعقل والنسل. وبدلاً من السجن، وضع المسلمون سبعة بدائل هي اليوم، بعد 1400 سنة، ما تفتخر به الدول الغربية تحت مسمى « العدالة التصالحية » و »خدمة المجتمع »:

 

أولا :  الوعظ والتوبيخ  عقوبة نفسية تكفي لكسر المجرم أمام مجتمعه.

ثانيا : التشهير  عقوبة اجتماعية تنزع الثقة عن الغشاش وشاهد الزور، وهي أصل فكرة « السجل العدلي » و »القائمة السوداء ».

ثالثا :  النفي والتغريب  إبعاد المجرم عن بيئته المفسدة، وهو أصل « سحب الترخيص » و »المنع من المهنة ».

رابعا :  الغرامة المالية والمصادرة  عقوبة اقتصادية تجعل المجرم يدفع ثمن جريمته للمجتمع، لا أن يدفع المجتمع ثمن سجنه.

خامسا :  العمل للنفع العام  أعظم بديل وأهمله المسلمون اليوم، مع أنه نبوي صرف: فداء أسير بدر أن يُعلم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة. أسير حرب يُعلم أطفال عدوه! هذه قمة تحويل الطاقة الإجرامية إلى طاقة نافعة.

سادسًا :  الهجر والمقاطعة  عقوبة اجتماعية منظمة في مجتمع مترابط.

سابعًا : الجلد التعزيري الخفيف  أقل من عشرة أسواط، ينتهي في دقائق ويعود الإنسان لعمله في نفس اليوم.

 

القاعدة الذهبية: السجن يجعل المجتمع يدفع ثمن جريمة المجرم (طعام، حراسة، مبنى)، بينما بدائل التعزير تجعل المجرم هو من يدفع ثمن جريمته للمجتمع (مالاً، عملاً، اعتذاراً). التعزير إصلاح لا انتقام.

 

لماذا يعجز  المسلمون عن تقديم البديل ؟

فإذا علمنا  أن السجن كعقوبة أصلية هي من المسائل المستحدثة ، والتوسع المفرط في بناء السجون واعتمادها كحل وحيد هو عرض من أعراض أزمة الحداثة القانونية ، يتساءل كل ذي بصيرة، لماذا يعجز المسلمون عن تقديم بديل واقعي ينقذ العالم رغم امتلاكهم لنسق تشريعي وعقائدي يؤمنون بصلاحه المطلق ؟

الحقيقة، أن هذا العجز لا يكمن في جوهر « النص الشرعي »، بل يعود أساسًا لسياسة التبعية الحضارية. فحكام ما بعد الاستقلال ورثوا جهاز الدولة الاستعمارية كما هو: قوانينه، سجونه، شرطته، كلياته. قانون العقوبات في 90% من الدول العربية هو ترجمة حرفية للقانون الفرنسي 1810 أو البريطاني 1860. تغييره يعني إعادة كتابة كل منظومة القضاء والشرطة وكليات الحقوق مشروع دولة كامل، وليس قراراً فردياً. الاستمرار في السجن هو استمرار بالقصور الذاتي المؤسسي، لأنه أسهل من البناء من جديد.

من منظور أي دولة حديثة، السجن يحقق وظيفة لا يحققها البديل الإسلامي: السجن يعزل الشخص عن الشارع والمسجد والسوق لسنوات. البديل يُعيده في نفس اليوم. الدولة التي قلقها الأول هو الأمن والسيطرة ستُفضل الأداة التي تعزل، لا الأداة التي تصلح وتعيد. خدمة المجتمع لا تمنع معارضاً من الكلام، لكن السجن يمنعه.

 

البديل الإسلامي موجود في كتب الفقه، لكنه غير مقنن في شكل مواد قانونية حديثة. كليات الشريعة تدرس الفقه نظرياً، وكليات الحقوق تدرس القانون الفرنسي عملياً، ولا جسر بينهما. القاضي أمام قضية سب إلكتروني لا يجد نصاً يقول « احكم بـ 80 ساعة خدمة مجتمع »، لكنه يجد نصاً واضحاً يقول « احكم بـ 6 أشهر سجناً ». فيحكم بالموجود.

 

الحكومات الإسلامية تخشى أن تطبيق الحدود أو حتى بدائل التعزير الإسلامية سيُفسر في الإعلام الدولي على أنه « تطبيق للشريعة وقمع ». السجن، رغم قسوته، يُنظر إليه دولياً على أنه « عقوبة حديثة وإنسانية » لأنه النموذج الغربي. فالتمسك بالسجن هو محاولة للحفاظ على صورة « دولة حديثة » في النظام الدولي، حتى لو كانت سجونها مكتظة بثلاثة أضعاف طاقتها.

 

ثمّ أخيرًا،  السجن اليوم منظومة اقتصادية: بناء سجون، وظائف حراس، إطعام، نقل، شركات توريد. آلاف الموظفين يعتمد رزقهم على بقاء السجون. أما بدائل مثل « يُعلم عشرة القراءة » أو « ينظف المسجد » فلا تخلق ميزانية ولا وظائف ولا صفقات.

 

ختامًا،

متى عجز الحكام على إقامة هذا الفرض العظيم، فقد صار واجبا على الأمّة وأهل القوّة فيها أن يقيموه وأن يعوا  على قوّتهم وعلى قدرتهم على استعادة مكانتهم وذلك بالتّمسّك بمصدر هذه القوّة: « شرع الله » فتقيمه في جميع شؤونها  وتنشره رحمة للعالمين وتمضي في طريق الحقّ لتكون خير أمّة أخرجت للنّاس تملك سلطانها وتفتك بكلّ من يهدّد « حياتها » وحياة البشريّة عامّة.

أما البديل المُؤصّل والمفصّل فقد أعده حزب التّحرير – الرّائد الذي لا يكذب أهله – وشبابه الذين يصلون ليلهم بنهارهم داعين أبناء أمّتهم لاستعادة ثقة بعظمة أحكام الإسلام في جميع نواحي الحياة، وأنها هي وحدها الصالحة لحكم البشرية كلها، ودعوتهم لنزع  ثوب الهوان واستبداله بثوب العزّة والكرامة بالعمل معه لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الرّاشدة الثّانية، التي في ظلّها يأمن المسلمون ويفرحون بنصر الله وتنتشر أحكام الهدى والرحمة في مشارق الأرض ومغاربها، وما ذلك على الله بعزيز.

 

CATEGORIES
Share This