
المعادن الحرجة: ثروة تونسية أم فرصة للآخرين؟
بحثت الدورة الخامسة والعشرون للمجلس الاستراتيجي للهيئة التونسية للاستثمار، المنعقدة يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026، فرص الاستثمار في قطاع المعادن الحرجة وسبل تعزيز جاذبية تونس للاستثمارات، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها سلاسل القيمة والأسواق العالمية.
وتم التأكيد خلال اللقاء أهمية تسريع الإصلاحات الهيكلية وتحسين جاذبية الإطار التشريعي والترتيبي، بما يوفر بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار في الموارد المعدنية ويعزز قدرة تونس على الاستفادة من التحولات التي تشهدها أسواق المعادن الحرجة عالميا.
يفتح هذا الخبر حول اهتمام تونس بالمعادن الحرجة والاستثمار فيها بابًا يتجاوز بكثير حدود قطاع المناجم. فالعالم لم يعد ينظر إلى الثروات المعدنية باعتبارها مجرد مواد تستخرج من باطن الأرض وتباع في الأسواق، بل باعتبارها أحد مفاتيح القوة الاقتصادية والتكنولوجية والجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين.
ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح في تونس ليس فقط: كيف نجذب المستثمرين؟ وإنما: كيف نضمن أن تتحول ثرواتنا إلى قوة إنتاجية تونسية، لا إلى مجرد صادرات جديدة من المواد الخام؟
ومن الضروري أولًا التمييز بين المعادن النادرة والمعادن الحرجة. فالعناصر الأرضية النادرة هي مجموعة محددة من العناصر الكيميائية ، مثل النيوديميوم والديسبروسيوم والتربيوم ، وتدخل في صناعة المغناطيسات والمحركات والإلكترونيات وتقنيات الطاقة والدفاع. أما المعادن الحرجة فهي مفهوم أوسع، ويشمل المواد التي تتمتع بأهمية اقتصادية أو استراتيجية كبيرة، بينما تكون إمداداتها معرضة لمخاطر معينة. ومن أمثلتها الليثيوم والكوبالت والنيكل والغرافيت والنحاس، إلى جانب عدد من العناصر الأرضية النادرة. ولذلك فليس كل معدن حرج نادرًا من الناحية الجيولوجية، كما أن كل معدن نادر ليس بالضرورة حرجًا. أما من ناحية الحكم الشرعي، فكلاهما ينطبق عليه مفهوم الملكية العامة، والأصل أن تشرف الدولة على توزيع عائداتها بين الناس توزيعا عادلا، وأن تدخل ما يلزم منها في دورة الإنتاج الصناعي، لا أن تعطي للشركات الرأسمالية العالمية أحقية استيراد المواد الخام.
وتزداد أهمية هذه المسألة لأن العالم يخوض اليوم سباقًا محمومًا على المعادن وسلاسل إمدادها. فقد أظهرت القيود الصينية على تصدير بعض العناصر الأرضية النادرة مدى اعتماد صناعات متقدمة في الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها على الإمدادات الصينية. ولم تصل الصين إلى موقعها القوي بسبب امتلاك المناجم فقط، وإنما بسبب سيطرتها الواسعة على مراحل المعالجة والتكرير والتصنيع، أي على المراحل التي تُخلق فيها القيمة المضافة الكبرى.
ولهذا تتسابق الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وأستراليا ودول أخرى لتنويع مصادرها وبناء سلاسل إمداد أقل اعتمادًا على الصين. ولم تعد المعركة تدور فقط حول من يمتلك المناجم، بل حول من يمتلك القدرة على استخراج الخام ومعالجته وتكريره وتحويله إلى مواد تدخل في الصناعات المتقدمة.
هنا تحديدًا كان على تونس أن تنتبه إلى الخطر قبل أن تتحول الفرصة إلى مشكلة جديدة.
فإذا كانت تونس تملك فعلًا موارد من المعادن الحرجة أو عناصر ذات قيمة استراتيجية مرتبطة بالفوسفات وغيره، فإن أسوأ ما يمكن أن تفعله هو التعامل معها بمنطق بسيط وبعقلية التبعية للغرب: لدينا ثروة، ولا نملك التكنولوجيا الكافية ، فلنأتِ بمستثمر أجنبي ليستخرجها ويصدرها. عندها قد تحصل تونس على بعض الضرائب والإتاوات وفرص العمل، بينما تذهب القيمة الأكبر والتكنولوجيا والخبرة الصناعية إلى الخارج.
المشكلة إذن ليست في الاستثمار الأجنبي في حد ذاته، وإنما في طبيعة العلاقة وشروطها. فتونس لا تستطيع حاليا منافسة الصين أو الولايات المتحدة أو أوروبا في كامل سلسلة الصناعات المتقدمة. لكنها تستطيع أن تفاوض من أجل استخراج مواردها ومعالجتها وتكريرها داخل البلاد، وإنشاء صناعات مرتبطة بها، ونقل التكنولوجيا، وتكوين الخبرات، وإشراك رأس المال التونسي، وربط استغلال الثروات بالبحث العلمي والجامعات والمؤسسات الصناعية.
بل إن التنافس الدولي الحالي يمكن أن يمنح تونس ورقة تفاوضية مهمة. فإذا كانت قوى اقتصادية متعددة تحتاج إلى مورد معين، فلا ينبغي أن يكون الهدف هو العثور بسرعة على أول مستثمر مستعد لاستغلاله، وإنما استخدام المنافسة بين المستثمرين للحصول على أفضل شروط ممكنة لتونس.
لقد أخطأ النظام طويلًا في تونس عندما تعامل مع بعض ثرواتنا الطبيعية باعتبارها مصدرًا للإيرادات، بدل أن يجعل منها أساسًا لبناء اقتصاد أكثر قوة واستقلالًا. وتجربة الفوسفات، بما عرفته من تراجع حاد في الإنتاج واضطراب في منظومة الاستغلال والتحويل، ينبغي أن تكون درسًا لا أن تتكرر بأسماء جديدة.
لذلك فإن الحديث عن «جذب الاستثمارات» دون ترتيب الأولويات مع تغيير النظام الاقتصادي، هو دوران في حلقة مفرغة. لأن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الشركات الأجنبية التي تدخل تونس، وإنما بما يُوجد: قيمة مضافة، وتكنولوجيا، ومصانع، وكفاءات، وبحث علمي، وشركات محلية، وعائدات عادلة، وقدرة أكبر على التفاوض والاستقلال الاقتصادي.
أما أن نستخرج ثروات القرن الحادي والعشرين بعقلية القرن العشرين، فنبيع المواد الخام ثم نعود لاستيراد التكنولوجيا والمنتجات المصنعة منها، فذلك لن يكون استثمارًا حقيقيًا لثرواتنا، ولن يقود إلى الاستقلال الاقتصادي، وإنما سيكون إعادة إنتاج للتبعية بثروات أكثر قيمة. فهلا اعتبر المجلس الاستراتيجي للهيئة التونسية للاستثمار؟
