التعليم في تونس من المجانية إلى الإمتياز الطبقي

التعليم في تونس من المجانية إلى الإمتياز الطبقي

 في تونس، لا تزال الدولة تقول أنّها تتمسك  بشعار مجانية التعليم العمومي، وتؤكد أن مجانية التعليم وتعميم النفاذ إليه من أبرز المكاسب التي تحققت في قطاع التربية ، و لكن الحقيقة أنّ  هذه المجانية  في الواقع  لم تتجاوز المبدأ النظري و القانوني  ،  فالوصول إلى التعليم في أي مرحلة من مراحله              و الاستمرار فيه يفرضان على الولي مصاريف تتزايد عامًا بعد عام و الأسرة تتحمل جزءا  كبيرا من الكلفة غير المباشرة المرتبطة بالدراسة ، حيث تبدأ  هذه الكلفة المالية من قبل أن يدخل التلميذ إلى القسم ،  ومع كل عودة مدرسية، تتجدد قائمة المصاريف: محفظة، أحذية وملابس، كراسات وأدوات مدرسية، ثم النقل والمصاريف اليومية. و قد حذرت تقارير صحفية من أن كلفة العودة المدرسية قد تصل إلى 800 دينار للتلميذ الواحد، بحسب طبيعة المشتريات والاحتياجات. وهذه الفاتورة لا تشمل بالضرورة كل ما يمكن أن تنفقه العائلة طوال السنة. فالمصاريف لا تتوقف عند أسبوع العودة المدرسية، بل تمتد إلى النقل، والأكل، والأنشطة، واللوازم التي يحتاج إليها التلميذ خلال السنة.

 

العلم لا ينبغي أن يكون حكرًا على القادرين على دفع ثمنه

 

وهنا يظهر أنّ قانون مجانية التعليم و الذي يعني  أساسًا عدم دفع معلوم مقابل الدراسة في المدرسة العمومية ليس إلاّ شعارا يرفع ، وإلاّ فإنّ  الواقع يقول أنّه  ليس بإمكان الطفل الالتحاق بالمدرسة والاستمرار فيها دون أن تتحول المصاريف المحيطة  به إلى عبء يهدد ميزانية الأسرة. فمجانية التعليم أصبحت « من قبيل الوهم »، حيث تستنزف هذه التكاليف ميزانية الأسرة التونسية بشكل مستمر وهذه الكلفة تختلف بحسب عدد الأبناء، ومكان السكن، ووسيلة النقل، وحاجة الطفل إلى الدروس الخصوصية، فضلا عن قدرة الأسرة على تحمل نفقات إضافية.  هذه التكلفة لا تقف عند حدود التعليم العمومي ، فبعض الأسر تختار التعليم الخاص، ليس بالضرورة لأنها قادرة على تحمل كلفته، وإنما لأنها ترى فيه ضمانة أفضل لمستوى تعليم أبنائها بسبب تردي البنية التحتية للمدارس العمومية والارتفاع المشط في أسعار اللوازم المدرسية والصراع الذي كان قائما  بين نقابات التعليم ووزارة التربية ، كلّ ذلك  ساهم  في تنامي ظاهرة الهجرة نحو المدارس الخاصة  و عليه ، فإنّ الانتقال إلى التعليم الخاص يفتح بابا جديدا من النفقات.                                                    

  النقل: عندما تصبح المسافة ثمنًا للتعليم

إنّ شعار مجانية التعليم لا يكفي وحده لضمان تكافؤ الفرص بين التلاميذ. فليست كل العائلات تعيش على بعد دقائق من المدرسة، ففي المناطق الريفية والداخلية، يمكن أن تتحول المسافة إلى كلفة مالية يومية، خصوصًا عندما لا تتوفر وسائل نقل مدرسية منتظمة أو عندما تضطر الأسرة إلى الاعتماد على وسائل نقل خاصة.

وبذلك يصبح التحدّي الحقيقي ليس فقطهل يستطيع الطفل دخول المدرسة مجانًا؟

بل أيضًاهل يستطيع أن يتعلم بالشروط نفسها التي يتعلم بها أبناء الأسر الأكثر قدرة؟

وهذا هو الاختبار الأصعب لمبدأ مجانية التعليم: أن تكون المجانية وسيلة لتحقيق تكافؤ الفرص، لا مجرد إعفاء من معلوم التسجيل أو الدراسة.

ثم إنّ الموضوع  أكبر من مجرد الحفاظ على مجانية المدرسة: إنها معركة خفض كلفة التمدرس، وتحسين جودة التعليم العمومي، وتقليص الاعتماد على الدروس الخصوصية، وضمان نقل ومستلزمات مدرسية متاحة للجميع. فالفقير لا ينبغي أن يُحرم من العلم بسبب فقره ، مع الاشارة  إلى  وجود مدارس ذات بنية تحتية مهترئة ونقص في الصيانة.

 

جرائم دولة الحداثة في التعليم

 

إضافة إلى جريمة عدم إتاحة العلم للجميع بل و حكره على الأغنياء و بالتالي تحوّل التعلّم في تونس امتيازا طبقيا ،  فإنّ  دولة الحداثة قد ارتكبت في حقه جريمتين .

 الجريمة الأولى أنّها ظلمت المعلمين ولم تقدرهم و ظلمت المتعلمين فلم تساعدهم على التعلّم ؛ وثمّة أخطاءً كبيرة تُرتكب في حقّ الأجيال المقبلة، بعدما صارت مدارس عديدة منفّرة للتلاميذ بدلاً من أن تستقطبهم. فراحة المدرّسين والتلاميذ من شروط النجاح والتميّز وهذا أمر مستحيل الحصول في تونس و لذلك البلاد تشهد سنوياً انقطاع نحو 120 ألف تلميذ عن الدراسة، والأمية في ارتفاع إذ تتجاوز 20 في المائة من عدد السكّان. 

 أما الجريمة الثانية فهي في مناهج التعليم التي لا تختلف في الأساس الذي تقوم عليه عن دول العالم الأخرى، وهو فكرة فصل الدين عن الحياة التي تعتبر من ضمن الأفكار التي يستخدمها الغرب في حربه على الإسلام، بالإضافة إلى تركيز الحضارة الغربية الرأسمالية من خلال الخطوط العريضة لمناهج التعليم التي تضعها منظمة اليونسكو على مستوى العالم بما يخدم مصالح الغرب الكافر وعلمانيته.

إنّ  التعليم كان وما يزال هو الطريقة للحفاظ على العقيدة والثقافة الإسلامية في صدور أبناء المسلمين وتكوين شخصيات إسلامية ببناء عقليات ونفسيات على مبدأ الإسلام لأن الثقافة هي العمود الفقري لوجود الأمة وبقائها فعليها تُبنى الحضارة وتُحدد الغايات وبالتالي تشق الأمة طريقها في الحياة متميزة عن باقي الأمم، فإذا تم التلاعب بالثقافة الإسلامية انتهت هوية الأمة واندثر نمط عيشها وتحولت إلى أمة مفعول بها، بدل أن تكون أمة فاعلة في الساحة الدولية.

تغيير المناهج  التعليمية على أساس الإسلام فرض وواجب 

إن الفلاح يكون في العودة إلى الإسلام وغايته من التعليم بدلاً من حشو عقول الأطفال بعلمانية الغرب الكافر، فمن يطلب المعرفة بقصد عبادة الله سبحانه وتعالى وتنفيذ شرعه في دولة تطبقه وتحمله إلى العالم فإن الملائكة ستبسط عليه أجنحتها وتحميه، وستستغفر له حيتان البحر.

 

CATEGORIES
Share This