مشروع ميزانية 2026 بين جباية دولة الحداثة ورعاية الخلافة الراشدة

مشروع ميزانية 2026 بين جباية دولة الحداثة ورعاية الخلافة الراشدة

تُقدَّر نفقات ميزانية الدولة التونسية لسنة 2027 بحوالي 68.895 مليار دينار، أي بزيادة تقارب 8.37% مقارنة بعام 2026، مع تركيز واضح على أهداف مخطط التنمية 2026–2030، والمتمثلة في تعزيز ما يُسمّى بالعدالة الاجتماعية، وتحفيز النمو الاقتصادي، وتنشيط الاستثمار العمومي والخاص.

وتُعدّ الميزانية في الأنظمة الوضعية الحديثة قانونًا سنويًا يحدّد أبواب الإيرادات والنفقات والمبالغ المخصّصة لكل قطاع، ولا يدخل حيّز التنفيذ إلا بعد مصادقة البرلمان (خلال شهر نوفمبر)، باعتباره الجهة التي تملك سلطة التشريع والرقابة المالية. ويأتي ذلك لأنّ موارد الدولة في هذه الأنظمة تقوم على الضرائب أساسًا، إضافة إلى القروض والإيرادات غير الجبائية، وكلّها تُقرَّر سنويًا وفق سياسة الحكومة وتوازناتها.

الجباية في دولة الحداثة

وفي هذا الإطار، تعتمد إيرادات ميزانية تونس لسنة 2027 أساسًا على الجباية، التي يُنتظر أن توفر 49.6 مليار دينار، من مجموع موارد تُقدّر بـ54.280 مليار دينار، تتوزع بين 4.330 مليار دينار من المداخيل غير الجبائية و350 مليون دينار من الهبات الخارجية.  ورغم ضخامة الموارد الجبائية، يبقى العجز المالي قائمًا، إذ يُقدّر بـ14.615 مليار دينار، في حين تبلغ حاجيات تمويل الخزينة إجمالًا 28.122 مليار دينار، تشمل، إلى جانب تمويل العجز، تسديد أصل الدين العمومي المستحق لسنة 2027 بقيمة 13.307 مليار دينار.

وستتم تعبئة هذه الموارد أساسًا عبر الاقتراض الداخلي بقيمة 19.845 مليار دينار، والاقتراض الخارجي بقيمة 6.877 مليار دينار، إضافة إلى 1.4 مليار دينار من موارد خزينة أخرى. وهكذا تتواصل حلقة المديونية، حيث تلجأ الدولة إلى الاقتراض لتغطية عجزها وتسديد ديون سابقة، فتتراكم الديون وتُرحَّل إلى السنوات القادمة.

رعاية الخلافة الراشدة

في المقابل، تقدم دولة الخلافة الراشدة نموذجًا ماليًا فريدًا يجمع بين الثبات والمرونة: أبواب الإيرادات والنفقات محددة شرعًا وثابتة، بينما يترك للخليفة تقدير المبالغ وفصول الميزانية بما يخدم شؤون الأمة. هذا النظام يحرر الدولة من القروض الربوية، يضمن الإنفاق العادل والكفء، ويمنح الأمة العزة والكفاية والعيش الكريم بعيدًا عن الأهواء وضغط لوبيات المال ومخاطر الديون.

وقد جاء في المادة 148 من دستور دولة الخلافة لحزب التحرير:لميزانية الدولة أبواب دائمية قررتها أحكام شرعية. وأما فصول الميزانية والمبالغ التي يتضمنها كل فصل، والأمور التي تخصص لها هذه المبالغ في كل فصل، فإن ذلك موكول لرأي الخليفة واجتهاده.)

ويتبيّن من هذا الفرق الجوهري أنّ الميزانية في الدول الديمقراطية تقوم على تشريع بشري يتغيّر سنويًا بحسب الظروف، بينما يقوم النظام المالي في الإسلام على أحكام ثابتة في أبوابه، ومرونة في فصوله. وهذا يبرز عظمة التشريع الإسلامي؛ إذ يجمع بين الثبات الذي يمنع العبث في موارد الأمة ونفقاتها، وبين المرونة التي تُمكّن الدولة من تلبية حاجات المجتمع بفعالية وعدل، فالواردات تأتي من مصادر شرعية دائمة مثل الخراج، والفيء، والجزية، والزكاة، وملكية الدولة والملكية العامة، ولا يجوز الزيادة عليها أو النقصان منها لأنها أحكام منصوص عليها، وليست مجالًا للاجتهاد أو التشريع. وكذلك أبواب النفقات محددة شرعًا بكيفية الإنفاق على الرعية، فلا يملك الخليفة ولا مجلس الأمة تغيير أحكامها أو استحداث أبواب جديدة.

ومع ذلك، يبقى للخليفة مجال واسع في فصول الميزانية، أي في تقدير المبالغ المخصّصة لكل قطاع أو مشروع، وتحديد ما تحتاجه مرافق الدولة ورعاية شؤون الناس؛ فهذا الجانب متروك لاجتهاده ورأيه باعتباره مسؤولًا عن رعاية شؤون الأمة، وله أن يضع ميزانية سنوية لفصول الواردات والنفقات، لأنها خاضعة للتقدير والتوزيع وليست أحكامًا ثابتة، ويكون للأمة حق الرقابة السياسية ومحاسبة الخليفة على اجتهاداته المتعلقة بفصول الميزانية على أن تكون السنة المالية وفق السنة الهجرية.

الإجراءات الفورية للخلافة الراشدة

ودولة الخلافة التي بشّر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلمبقيامها، ستبدأ منذ اليوم الأول من قيامها بتخفيض الإنفاق العام عبر وقف القروض الربوية والإنفاق غير الشرعي، وسيتم إلغاء جميع الضرائب على السلع والخدمات، واستبدالها بمصادر دخل شرعية ودائمة، تشمل: خراج الأراضي الزراعية، الجزية، خمس الركاز، الفيء والغنيمة، عوائد ملكية الدولة من أراضٍ ومصانع، ومال من لا وارث له، والضرائب الشرعية الاضطرارية على المسلمين لسداد النفقات المقررة شرعًا.

فتبدأ الدولة فور قيامها بحصر الأراضي الزراعية وتقييم الخراج الذي سيضرب عليها من قبل الخبراء، حيث يبدأ تحصيل أول مبالغ منها بانتهاء الموسم الزراعي الأول، كما تقوم بتوزيع الأراضي المعطلة على جيوش المعطلين عن العمل بتفعيل حكم إحياء الموات والتوزيع المجاني للأراضي، كما ستقوم دولة الخلافة بإدارة الأموال الضخمة للملكية العامة كقطاع المعادن والطاقة وغيرها  وتوجيه عائداتها من الغاز والبترول والثروات المعدنية الأخرى ومناجم الفسفاط والجبس والحديد والذهب وغيرها في قسم خاص من بيت مال المسلمين مخصص للملكية العامة، وتوزع أرباحها أو أعيانها على الرعية باجتهاد الخليفة، أو تخصص مواردها لصرفها على أمور أجازها الشرع وفرضها على الأمة، أو على المرافق العامة التي هي جزء من الملكية العامة كبناء الطرق وسكك الحديد والجسور والبنى التحتية بكل أشكالها، أما الزكاة فستجبى بالكامل وتُصرف حصريًا على الأصناف الثمانية التي نصت عليها الشريعة، مع توزيعها وفق اجتهاد الخليفة، كما ستعتمد الدولة الدينار الذهبي  والدرهم وفق الأوزان الشرعية: الدينار 4.25 غرام ذهب، الدرهم 2.975 غرام فضة، مع تحديد سعر التحويل بحسب احتياطيات الذهب والفضة وأسعارها التجارية، ويمكن للدولة استخدام احتياطيات الذهب والعملات الأجنبية لتغطية الإنفاق الطارئ لمدة عام أو أكثر. كما سيتم وقف دفع أقساط الديون الداخلية والخارجية، وإلغاء الحوافز الاستثمارية الربوية، مما يرفع قدرة الإنفاق ويُنشط الدورة الاقتصادية. إضافة إلى ذلك، إلغاء الضرائب على جميع السلع والخدمات سيزيد من قوة الإنفاق ويعزز النشاط التجاري والإنتاجي.

بهذه الإجراءات، تجمع الدولة بين الثبات الشرعي في الموارد والنفقات والمرونة في التقدير والتنفيذ لضمان رعاية فعّالة لشؤون الناس، بما يعكس عظمة التشريع الإسلامي ويحقق الرخاء والعيش الكريم للأمة، ثمّ تتفرغ الدولة لبعث المشاريع الطموحة كالتصنيع، لتصبح دولة رائدة في المجال التكنولوجي والصناعات الثقيلة.

عَنِ حُذَيْفَةُ، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ ).

الدكتور الأسعد العجيلي

CATEGORIES
Share This