
الثورة مسار يستوجب التغيير الجذري لا الإصلاحات الجزئية
أثناء اللقاء الذي جمعه يوم 8 أكتوبر الجاري بقصر قرطاج برئيس مجلس نواب الشعب إبراهيم بودربالة ورئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم عماد الدربالي، قال الرئيس قيس سعيد أنّ العمل متواصل دون انقطاع من أجل الاستجابة لمطالب الشعب التونسي، ليس من خلال التشريعات فحسب، بل أيضًا عبر فكر ثوري يقوم على مفاهيم جديدة.
وكان الرئيس سعيّد قد أكّد في مناسبات سابقة ضرورة إحداث ثورة تشريعية تستجيب لتطلّعات الشعب التونسي. كما اعتبر أنّ يوم 14 جانفي 2011 مثّل تاريخ إجهاض الثورة، متهما أطرافاً فاسدة لم يسمّها بمحاولة إجهاض المسار الثوري.
هذه التصريحات المتفرقة تعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل يمكن لثورة تشريعية وفكر «ثوري» يقوم على مفاهيم جديدة أن يتحقق داخل إطار دستوري وضعي هو في جوهره امتداد للدستور الذي ثار عليه الناس، وبفكر غربي مستورد كالحرية الشخصية وفصل الإسلام عن الحياة؟
لقد سبق للرئيس أن وصف ثورة 14 جانفي بأنها أُجهضت. هذا التوصيف يستوجب تحديد طبيعة الإجهاض وأسبابه. فإذا كانت الثورة لم تحقق أهدافها، فهل الأهداف هي « شغل، حرية، كرامة وطنية »، أم أن المسألة تمتد إلى طبيعة النظام الذي أُعيد تشكيله والأسس الفكرية والسياسية التي يقوم عليها.
وإذا كان الرئيس يعتبر أنّ الثورة قد أُجهضت، فما طبيعة التغيير الجذري الذي يقترحه لتجاوز أسباب هذا الإجهاض؟ وهل تكفي الثورة التشريعية والفكر الجديد لتحقيق أهداف الثورة، أم أنّ الأمر يستوجب مشروعاً سياسياً وحضارياً متكاملاً يقطع مع المنظومة الوضعية التي ثار عليها الشعب التونسي؟
ثم إن الحديث عن ثورة تشريعية يفترض تحديد الأسس الفكرية للتشريعات الجديدة؟ إذ لا يكفي أن تكون التشريعات جديدة حتى يكون النظام الذي تنظّمه جديداً بالضرورة، كما أن الحديث عن فكر ثوري بمفاهيم جديدة يطرح سؤالاً أساسياً: ما طبيعة هذه المفاهيم؟ وعن أي عقيدة انبثقت؟ وما المشروع الحضاري الذي تنتظم داخله؟
ولفهم هذه المسألة، لا بد من الرجوع إلى المطلب الأساسي الذي خرجت الجماهير من أجله فيما عُرف بأيقونة الربيع العربي: «الشعب يريد إسقاط النظام»، أي إسقاط النظام القائم واستبداله بنظام جديد. فالأمر لم يكن مجرّد مطالبة بتغيير الأشخاص الذين يتولّون الحكم، بل هو رفض النظام القائم والمطالبة بتغييره. وبما أن النظام السياسي يؤطّره الدستور وتركّزه القوانين، فإن الثورة تمثل تغييراً جذرياً يشمل الدستور والقواعد التي انبثق منها. فهي عملية تغيير جذرية في المجتمع، وثمرة صراع فكري ضخم بين الجماهير وكفاح سياسي ضد سياسات الحكام، ينتج عنه تغيير البنية السياسية والتشريعية والتنفيذية للنظام القائم، وإعادة بناء السلطة والمجتمع على أسس فكرية مختلفة تماماً عما كان سائداً قبلها، استناداً إلى العقيدة الأساسية التي تحدد الرؤية السياسية والمشروع الحضاري الذي يحقق مبتغى الثورة.
لذلك فإن الشعب التونسي عندما ثار إنما ثار على كل من تسبب في ماسيه من الغرب وعملائه إلى الأنظمة الوضعية التي تحكم بغير ما أنزل الله.
أما الحديث عن «فكر ثوري يقوم على مفاهيم جديدة» داخل دستور وضعي امتداد للدساتير السابقة، وعن ثورة تشريعية لا تمس جوهر النظام، فليس سوى إنتاج لنفس النظام والتفاف عن مطالب الثائرين.
فالثورة وبصرف النظر عن العقيدة التي تقف خلفها، والرؤية التي تسعى لتحقيقها، هي عملية تهدف إلى تغيير النظام القائم واستبداله بنظام جديد. أي هي تغييرٌ شاملٌ لجميع مناحي الحياة، تستلزم بالضرورة تغيير الأنظمة التي تنظّم شؤون المجتمع تغييرًا جذريًا، بما يجعلها منسجمة مع عقيدة الثائرين.
فالمسألة ليست في إعلان القطيعة مع الماضي مع الإبقاء على نفس النظام، بل في تغيير النظام مع تحديد البديل الحضاري الذي ينبثق عن عقيدة الأمة.
التسلح بمشروع حضاري نابع من عقيدة الأمة
إنّ العنصر الأساسي لنجاح الثورة، والضمانة الحقيقية لمنع الالتفاف على مسار التغيير الشامل، هو التسلّح بمشروع حضاري متكامل، يُبنى على أساسه نمط جديد للسلطة، ويُحدث تغييرًا عميقًا في المجتمع، ويؤسّس لإعادة توحيد المنطقة من جديد. فالثورات في التاريخ لم تنشأ من فراغ، بل كانت دائمًا ثمرة بناء فكري سابق، وصدى لنظريات مفكري عصورها.
ففي أوروبا أسس مفكرو الغرب خلال القرن الثامن عشر حركة فكرية نقدية مهّدت لبناء تصور جديد للمجتمع قائم على عقيدة فصل الدين عن الحياة، والديمقراطية والحرية. واستند هذا التحول إلى نظريات روسو ولوك ومونتسكيو وفولتير. ونفس الشيء حدث مع الثورة البلشفية التي قامت على نظريات المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية.
إنّ المشروع الحضاري الوحيد القادر على إنجاح الثورة وتحرير منطقتنا الإسلامية من القبضة الغربية لا يمكن أن يكون إلا الإسلام. فقد أثبتت الأحداث التي عصفت بالأمّة في السنوات الأخيرة، بما لا يدع مجالًا للشك، أنّه لا انفكاك من أغلال المنظومة الدولية، التي تمثّل أصل البلاء، إلا عبر مشروع سياسي على قياس الأمّة الإسلامية، مشروع عابر للحدود السياسية والقومية والقطرية، يهيّئ الأمّة في لحظة تاريخية فاصلة لأن تجتمع تحت راية واحدة، وقيادة واحدة، وفي ظل دولة واحدة: دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوّة.
إنّ ما تفتقده الثورة اليوم حقًّا هو القيادة السياسية الواعية المخلصة، التي تنظر إلى الأحداث بعين بصيرة، وتستنبط الحلول من كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ، وتضع كلّ شأن في موضعه وزمانه كما أمر الله، وتجمع جموع الثائرين على مشروع إسلامي كامل متكامل. قيادة تتعامل مع الوقائع بمنهج ربّاني واضح، فتجمع قوى الأمّة الحقيقية، وتسير بها نحو الخلاص المنشود، بإعادة المسلمين إلى العيش في ظلّ الإسلام، وتطبيق شرع الله الحنيف، في كنف دولة الخلافة على منهاج النبوّة، الدولة التي تُقيم موازين العدل والقسط كما أمر الله جلّ في علاه.
د. الأسعد العجيلي
