
القرن الإفريقي: خريطة اشتعال من هرمز إلى باب المندب
لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي، بل أصبح بوصلة الصراع العالمي. من هرمز إلى باب المندب، تتصادم المصالح وتتقاطع التحالفات وتتبدل الأقنعة، بينما تقف منطقة القرن الإفريقي على حافة التحول الكبير. لم تعد أسئلة المنطقة تدور حول من يحكم، بل حول من ينجو.
إثيوبيا — مركز يتفكك من داخله
في سبتمبر 2026، أعلنت سبع فصائل مسلحة وسياسية — من تغراي وأمهرا وأورومو وعفار وبني شنقول غوموز والصومال الإثيوبي — تشكيل «تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء»، بهدف إسقاط حكومة آبي أحمد وتهيئة الطريق لحكومة انتقالية. والمفارقة الكبرى أن بعض هذه القوى كانت في مواجهات مباشرة قبل سنوات قليلة: جبهة تحرير تغراي وقوات فانو الأمهرية كانتا على طرفي نقيض في حرب 2020-2022، بينما يخوض جيش تحرير أورومو صراعاً مسلحاً ضد المركز منذ سنوات.
هذا التحالف لا يمثل جبهة عسكرية موحدة، لكنه يغير طبيعة المعارضة الإثيوبية من صراعات إقليمية متفرقة إلى ضغط متزامن على المركز. وفي الخارج، قطعت إثيوبيا وإريتريا العلاقات الدبلوماسية في أكتوبر 2026، وتبادلتا الاتهامات بالعدوانية، وسط تقارير عن توغل قوات إريترية في شمال إثيوبيا. الدولة الحبيسة، التي حلمت بالبحر، تجد نفسها محاصرة في البر، تواجه أعداءها من الداخل قبل أن تواجههم على الحدود.
مصر — بين سد النهضة وجحيم القناة
في 4 أكتوبر 2026، استضافت مصر قمة العلمين الرباعية ووقّعت اتفاقيات دفاع مشترك مع إريتريا والصومال، وأعلنت أن «حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة».
القاهرة تحترق على جبهتين في وقت واحد. سد النهضة الإثيوبي يهدد حصتها المائية، والمفاوضات مجمدة منذ 2024، وإثيوبيا ترفض أي اتفاق ملزم حول قواعد الملء والتشغيل. وفي الوقت نفسه، يلتهم اضطراب البحر الأحمر إيرادات قناة السويس: خسائر بلغت 16.5 مليار دولار بين نوفمبر 2023 وجويلية 2026، وتراجع الإيرادات من 10 مليارات دولار سنوياً إلى 3.3 مليارات. القناة التي كانت شريان الحياة، أصبحت جرحاً نازفاً.
لكن مصر لا تريد حرباً، ولا تستطيع أن تبقى خارج اللعبة. تتحرك بين التحالفات الدبلوماسية والضغوط القانونية، باحثة عن موقع في خريطة تتغير من حولها.
معادلة واشنطن في القرن الإفريقي
أمّا واشنطن فقد رفعت العقوبات عن أسمرا في 18 سبتمبر 2026، في توقيت مدروس بعناية: بعد أيام من إعلان التحالف السُباعي، وقبل أسبوعين من قطع العلاقات الإثيوبية-الإريترية. لم يكن القرار مجرد إجراء تقني، بل إشارة إلى أن الجغرافيا تسبق المبدأ. إريتريا تمتلك سواحل طويلة على البحر الأحمر، وموانئ عصب ومصوع، وقرباً استراتيجياً من باب المندب، واستثمارات صينية في الطرق والاتصالات ضمن «الحزام والطريق».
لم تعد أسمرا دولة معزولة، بل تحولت إلى «دولة ارتكاز» في أي ترتيب أمني للبحر الأحمر. وهي ترحب بالانفتاح الأمريكي، لكنها لا تريد أن تتحول إلى قاعدة أمريكية صريحة. وهنا تكمن المفارقة: فواشنطن رفعت العقوبات لتأمين مصالحها، بأن منحت أسمرا ورقة قوة إضافية في مواجهتها مع أديس أبابا، وفي نفس الوقت تسعى الولايات المتحدة للحفاظ على استقرار إثيوبيا بما يجعلها وقادرة على التعاون مع واشنطن، لكن من دون أن تتحول قوتها الإقليمية إلى نفوذ مستقل يتعارض مع المصالح الأمريكية.
بحر يتنازعه الجميع
التزامن الخطير بين أزمة الدولة الإثيوبية الداخلية والتنافس على البحر الأحمر والنيل، يدفع للتساؤل، هل الحرب أصبحت حتمية أو أن هناك غرفة عمليات موحدة لمحاصرة إثيوبيا؛ لكن السيناريو الأخطر يكمن في أن المنطقة دخلت مرحلة تتزايد فيها مخاطر سوء الحساب، حيث يمكن لحادث حدودي أو دعم خارجي مزعوم لفصيل مسلح أن يربط أزمات كانت منفصلة نسبياً.
ولذلك، فإن السؤال الأهم ليس فقط: إلى متى يتحمل الإقليم هذا التوتر؟ بل أيضاً: هل تستطيع الأطراف فصل ملفات النيل والوصول إلى البحر الأحمر عن الصراع الداخلي الإثيوبي، أم ستتعامل معها بوصفها معركة استراتيجية واحدة؟
فإذا فشلت في الفصل بينها، تصبح كل تسوية في ملف رهينة للتصعيد في ملف آخر. وهذا، هو أخطر ما يكشفه المشهد الراهن.
من حكمة النجاشي إلى نزوات المستعمر
قال صلَّى الله عليه وسلم : اتركوا الحبشةَ ما تركوكم »، هذه الأرض التي تتقاطع فيها اليوم المصالح وتتصادم التحالفات، لم تكن يوماً ساحة للفوضى، بل كانت مهداً للحكمة والعدل. في هذه البقعة من العالم، لجأ المسلمون الأوائل إلى النجاشي ملك الحبشة، فوجدوا عنده الأمان، وقال النبي ﷺ عن أرضه: «إن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد». وفي مصر، كنانة الله في أرضه، التي حماها الله من الفتن، والتي قال عنها النبي ﷺ: «إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يُسمى فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحماً». ومن هنا، من اليمن، خرجت الحكمة، وقال النبي ﷺ: «الإيمان يمان، والحكمة يمانية»، وكأن هذه الأرض كانت موئلاً للفطنة والبصيرة قبل أن تصبح مسرحاً للصراع.
لكن ما نراه اليوم ليس امتداداً لتلك الحكمة، بل قطيعة معها. فالاستعمار الغربي، الذي رسم حدود هذه المنطقة بمسطرة ومزاج، لم يكن يوماً حريصاً على استقرارها، بل كان يحرّك أوراقها حسب تقلّبات مصالحه. رسم خطوطاً هنا، وأشعل نزاعات هناك، وأورث المنطقة جراحاً لم تندمل. واليوم، تعود تلك السياسة بأوجه جديدة: حتى كيان يهود أصبح يرى في القرن الإفريقي وبحر العرب ساحة لتوسيع نفوذه، من أرض الصومال إلى إريتريا، ومن البحر الأحمر إلى منابع النيل، في مشروع استنزاف للأمّة وللحيلولة دون عودة سلطانها ودولتها.
والمفارقة الكبرى أن أنظمة خاضعة وتابعة، رضيت بأن تكون أدوات في هذه اللعبة، فباعت سيادتها بثمن بخس، وفتحت أراضيها وموانئها وممراتها لقوى لا تريد بها خيراً. فتحولت المنطقة من موطن الحكمة والعدل إلى ساحة تتصارع فيها نزوات رأسمالية استعمارية لا تعرف رحمة، ولا تفرق بين صديق وعدو، ولا تبالي بمن سيحترق في النار.
هذه القوى لا تريد استقراراً، بل تريد ممرات آمنة لسفنها، وأسواقاً مفتوحة لبضائعها، وقواعد عسكرية تحمي مصالحها، وحكومات ضعيفة تنفذ أملاءاتها. فمتى يُدرك الجميع أن الاستعمار لا يمنح الاستقرار، بل يمنح الوصاية، وأن الأنظمة التابعة لا تحمي أهاليها، بل تحمي سادتها؟ الإجابة ليست في واشنطن ولا في لندن ولا في بكين. الإجابة عند المسلمين في هذه الأرض، وأهل القوّة فيهم، إذا استعادوا زمام المبادرة، فقاموا لدينهم وأقاموا خلافتهم قبل أن يبتلعهم البحر.
