غضب الطلاب يهزّ فرنسا..  هل يتحول من أزمة دولة إلى أزمة حضارة..؟

غضب الطلاب يهزّ فرنسا.. هل يتحول من أزمة دولة إلى أزمة حضارة..؟

اندلعت مظاهرات تلاميذ المدارس الثانوية في فرنسا – والتي انطلقت شرارتها في سبتمبر-نتيجة تراكم مشكلات هيكلية وتدهور في قطاع التعليم الحكومي. وقد بدأت الحركة الاحتجاجية في منطقة باريس ثم اتسعت لتشمل مئات الثانويات والجامعات في مختلف أنحاء البلاد.

و من أبرز أسباب هذه الاحتجاجات والمطالب التي يرفعها التلاميذ هي النقص الحاد في المدرسين حيث يعاني النظام التعليمي من غياب مستمر للمعلمين وصعوبة تعويضهم، مما يؤدي إلى إلغاء حصص دراسية لأسابيع وتأخر المناهج. إضافة إلى تدهور البنية التحتية للمدارس أين يشكو الطلاب من إهمال صيانة المباني المدرسية، واكتظاظ الفصول، وظهور مشكلات مثل تسرب المياه، ونقص التدفئة، وسوء النظافة و عدم جاهزية المدارس لموجات الحر وغياب وسائل التهوية والتكييف المناسبة داخل الفصول. دون أن ننسى  الإشارة  إلى أزمة منصة القبول الجامعي  حيث  أثارت هذه المنصة الرقمية المخصصة للتوجيه والالتحاق بالجامعات ضغطاً نفسياً كبيراً وقلقاً لدى طلاب الثانويات؛ حيث يرى الكثيرون أنها تفتقر إلى الشفافية وتكرس الفوارق الاجتماعية والجغرافية في حسم فرص الانتقال إلى التعليم العالي.

و قد زادت حدة المواجهات والتوترات بعد استخدام قوات مكافحة الشغب للغاز المسيل للدموع، وتسجيل إصابات في صفوف التلاميذ والقاصرين، مما أضاف بعداً حقوقياً للاحتجاجات.

بين المدارس الفرنسية و المدارس التونسية

 

واللفت للنظر هو أنّ أوضاع المدارس في فرنسا إلى  تشبه حدّ  كبير  أوضاع مدارسنا في تونس حيث  بنية تحتية مهترئة ونقص في الصيانة و قاعات لم تُدهن جدرانها منذ سنوات وتبدو نوافذها التي تخترقها الرياح غير قادرة على الصمود أكثر، فيما تقطر أسقفها ماءً كلّما هطلت الأمطار، لتُصنَّف بالتالي غير آمنة. وتفتقر إلى بنية تحتية سليمة، فبعضها شُيّد في خلال الاستعمار الفرنسي في خمسينيات القرن الماضي من دون أن يُصار إلى صيانتها في ما بعد، وبعض آخر منها يقع في أماكن معزولة من البلاد من دون أسوار ولا حراسة ولا ماء ولا شبكات صرف صحي ، كلّ ذلك يمسي عامل تنفير للمدرّسين العاملين فيها وكذلك التلاميذ وأولياء أمورهم. إضافة  إلى  اشتراك القطاع  المدرسي في كلّ من فرنسا و تونس  تراجع الجاذبية ونقص المعلمين  حيث تعاني المدارس الفرنسية و التونسية من شغور آلاف الوظائف سنوياً بسبب تدني الرواتب مقارنة بالمستوى المعيشي والضغط المهني. و الطرفان يدعوان إلى  زيادة الموارد والتمويل برصد ميزانيات كافية لقطاع التعليم الحكومي لتحسين ظروف الدراسة وإصلاح المدارس المتهالكة و تعيين معلمين بدلاء فوراً  لسدّ الشغورات التعليمية لضمان انتظام الدروس وعدم ضياع الحصص وتعديل الجداول الزمنية والمناهج لتخفيف من طول اليوم الدراسي الذي يمتد أحياناً حتى ساعات المساء وتقليل الضغط النفسي المرتبط بالامتحانات ، فتشابه مشاكل التعليم و التمدرس بين دولة فرنسا و تونس له ما يبرره ، فالجميع يصوغ من حلوله و معالجته من  فكر واحد ،  فالمشكلة واحدة والأزمة واحدة… فلابدّ أن يكون الحلّ واحدا.

 

أزمة التعليم في الغرب من أزمة حضارته

 

إنّ جوهر الفعل التّربوي التعليمي ورحاه التي يدور عليها هو الثقافة، وممّا لا شكّ فيه أنّ ثقافة الأمم هي العمود الفقري لوجودها واستمرارها: فعلى كاهل الثقافة تُبنى حضارة الأمّة وتتحدّد أهدافها وغاياتها ويتميّز نمط عيشها، وبالثقافة تُصاغ شخصيّات أفرادها وينصهرون في بوتقة واحدة متفرّدة عن سائر الأمم.

 

 

و في المقابل ، لطالما تغنى الغرب و أشباه المثقفين من بني جلدتنا  بالحضارة الغربية كونها أساس التقدم و الحداثة و الأبعاد القيمية للنظام الديمقراطي المعتمد في الأنظمة الغربية ،     و كونه النظام المرسخ للقيم  الكونية كالحرية و العدالة و المساواة  مقدمين لنا هذه الأنظمة العلمانية الديمقراطية كونها منقذ البشرية ، و لكن ها هي  دولة الحداثة والديمقراطية فرنسا تحصد وتردي النظام التعليمي و تفاقم الازمات التي أنتجت لأهلها الشقاء و المظالم.

ولا يخفى أن ما تعيشه فرنسا اليوم من أزمة هو  نتيجة حتمية لتبنيها لحضارةٍ رأسمالية فصلت الدين عن الحياة، وجعلت المنفعة مقياسًا، والاستعمار غاية لتكريس التبعية و الهيمنة معتمدة على شعوب العالم و منه عالمنا الإسلامي.

إنّ النظرة المستنيرة  لمظاهرات تلاميذ المدارس الثانوية في فرنسا توجب علينا ألاّ نرى في هذه القضية أمرا متجددا فقط  بل اعتبارها  حلقة من سلسلة متصلة من الانكسارات الحضارية و المبدئية لحضارة  قامت على  الاحتكار والابتزاز و تأسست على النهب والاستغلال ، فإنّ كلّ ذلك سيساهم في إضعاف الثقة في نموذج الحداثة الغربية وديمقراطيتها لدى شعوبها ،و مع تفاقم هذا السقوط الحضاري يبرز الإسلام كبديل حضاري متكامل في ظلّ خلافة راشدة على منهاج النبوة تنقذ البشرية من  الدول الفاشلة و من مظاهر الإهمال و غياب المسؤولية.

CATEGORIES
Share This