
الأنظمة القائمة أورامٌ والتهاباتٌ… والإسلام ترياقٌ كافٍ شافٍ
إن حال الأمة الاسلامية اليوم ليس مجرد أزماتٍ متفرقة بل إنّ المتأمل في واقعها يرى خللًا أعمق من ذلك؛ خللًا أصاب طريقة التفكير، ونمط الحياة، والأساس الذي تُبنى عليه السياسة والاقتصاد والاجتماع والحكم و طريقة العيش.
لقد أصبحت الأنظمة القائمة بمثابة أورامٍ والتهاباتٍ في جسد الأمة؛ بعضها ظاهرٌ للعيان، وبعضها مستترٌ تحت عناوين براقة، لكنها في النهاية تُبقي الأمة بعيدةً عن مصدر عزتها وقوتها: الإسلام الذي أنزله الله ليكون منهج حياة.
الداء ليس في الأعراض وحدها
عندما يعاني الإنسان من مرضٍ خطير، فإن معالجة الأعراض دون معالجة أصل المرض لا تؤدي إلى الشفاء. وكذلك حال الأمة؛ فالفقر والبطالة والفساد والتبعية والاضطراب السياسي والتفكك الاجتماعي ليست كلها أمراضًا منفصلة، وإنما هي في جانب كبير منها نتائج لخللٍ في الأساس الذي تُدار به الحياة.
قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾
و قال عز من قائل:
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44].
وقال سبحانه:
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18].
فالأنظمة العلمانية المتوحشة القائمة بالبلاد الإسلامية اختارت غير شريعة الله قانونا و دستورا للحياة و استندت على غير الله و والت الكفار المستعمرين و سلمت في ثرواتنا و أموالنا و اتبعت أهواء الناس فنراها تزداد فقرا و هوانا على من والته.
و الله تعالى يقول:
﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ﴾
فلم تترك الإسلام منفصلا عن الحياة فحسب بل حاولت تنقيحه حتى يكون حكما فيما تحتاجه وفق رؤيتها فيكون مسكنا لبعض الآلام و كأنهم أعلم من عالم الغيب و الشهادة خالق الكون و الإنسان و الحياة.
﴿قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208].
فـ«كافّة» تعني أن يكون الإسلام حاضرًا في حياة المسلم حضورًا شاملًا، لا أن يُختزل في جانب دون آخر.
ولهذا كان الإسلام عقيدةً ينبثق عنها نظامٌ للحياة، وكانت أحكامه متعلقة بالعبادات والمعاملات والاقتصاد والقضاء والسياسة والعلاقات الاجتماعية وغيرها.
من أين يأتي الشفاء؟
إذا كان الداء هو الابتعاد عن منهج الله، فإن الشفاء يكون بالعودة إلى هذا المنهج.
قال تعالى:
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82].
فالقرآن شفاءٌ ورحمة، وليس المقصود بالشفاء مجرد الشفاء الجسدي، بل يشمل شفاء القلوب والعقول من الانحراف، وشفاء المجتمع من الظلم والفساد عندما تُقام أحكام الله فيه.
تغيير الأشخاص لا يكفي
قد تتغير الحكومات، وتتبدل الأحزاب، وتتغير الشعارات، لكن إذا بقي الأساس الفكري والتشريعي نفسه، فإن كثيرًا من الأزمات ستظل تعود بأشكال مختلفة.
فالقضية ليست فقط: من يحكم؟
بل أيضًا: بأي أساس يحكم؟ ومن أين يستمد التشريع؟ وما الغاية التي يسعى إليها المجتمع؟ وما المقياس الذي تُقاس به الأعمال والسياسات؟
قال الله تعالى:
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50].
وهنا يتضح أن المعالجة الجذرية لا تكون بمجرد تبديل الأشخاص، وإنما بتغيير الأساس الذي تُبنى عليه الحياة.
الإسلام ترياقٌ كافٍ شافٍ
إن الأمة التي تحمل عقيدة الإسلام لا ينقصها منهجٌ تستوردُه من الشرق أو الغرب، ولا تحتاج إلى البحث عن وصفاتٍ بشرية متناقضة لتحدد بها طريقها.
قال الله تعالى:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].
فالإسلام كاملٌ في أصوله، شاملٌ في أحكامه، قادرٌ على أن يقدم للأمة تصورًا متكاملًا للحياة.
والترياق الحقيقي لا يكون بتجميل الورم، ولا بتسكين الالتهاب، وإنما بإزالة أسبابه ومعالجة جذوره.
ولهذا فإن المطلوب ليس إسلامًا محصورًا في المسجد، ولا إسلامًا في المناسبات، ولا إسلامًا يُستدعى عند الأزمات ثم يُترك عند إدارة شؤون الحياة؛ بل أن يكون الإسلام حاضرًا في واقع الأمة وفق أحكامه و حدوده.
والخلاصة
إنّ واقع الأمة يحتاج إلى تشخيصٍ صادقٍ قبل أن يحتاج إلى شعاراتٍ جديدة.
فالأنظمة القائمة، بما تحمله من أفكار وتشريعات ومناهج متباينة، أنتجت أزماتٍ متراكمة، ولا يكفي تغيير الوجوه لإزالتها.
أما الإسلام، فقد جاء من عند الله، قال تعالى:
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].
فإذا كان الله هو الخالق، فهو أعلم بما يصلح خلقه، وإذا كان الإسلام وحيًا من عنده، فإن العودة إليه ليست هروبًا من الواقع، بل عودةٌ إلى المنهج الذي ارتضاه الله لعباده.
الأنظمة القائمة أورامٌ والتهاباتٌ في جسد الأمة، والإسلام ترياقٌ كافٍ شافٍ، لا يعالج بعض الأعراض فحسب، بل يعيد بناء الحياة على أساسٍ من الوحي والحق والعدل.
