
من إشكالية الهويّة… ليس لنا غير الإسلام هويّة
يلاحظ شيوع مصطلح الهوية في السياسة والإعلام والحياة اليومية؛ إذ يُستخدم للدلالة على خصائص الفرد وانتماءاته، ويُنسب مجازًا إلى المجتمع والدولة والثقافة، وتنتشر تعبيرات من قبيل « هوية الدولة » و »صراع الهويات » و »أزمة الهوية ».
وتُعدّ إشكالية الهوية في الفكر الغربي الحديث واحدة من أعقد القضايا الفلسفية والاجتماعية والنفسية وهي تتمحور حول التساؤل عن ماهية الذات (الفردية أو الجماعية) وكيفية تحديدها في عالم دائم التغير ومترابط ، و تنبع الإشكالية من كون الهوية في تفكير الغربيين ليست معطى ثابتاً أو جامداً يُولد به الإنسان وينتهي الأمر، بل هي صيرورة بنائية ديناميكية وتفاعل مستمر بين « الأنا » و »الآخر ».
و الحقيقة أنّ الهوية هي حقيقة الشيء أو حقيقة الشخص التي تميزه عن غيره؛ فهي ماهيته وما يوصف وما يعرف به ، ويقصد بها مجموعة الأوصاف والسلوكيات التي تميز الشخص عن غيره ، و هذا على خلاف سياق التعريفات السابقة المشيرة إلى عدم الاستقرار و الثبات في المعايير و التصرّفات ، فالهوية تتأسس على أصول و ثوابت تاريخية ولغوية وعقدية مشتركة (مثل العرق، الدين، أو التقاليد) تجعل من الأفراد متجانسين و متميّزين عن غيرهم و كذلك الجماعة تجعلها أمّة صاحبة حضارة متجانسة ومتميزة عن غيرها .
و تتشكل الهوية الحضارية المميزة لأمة من الأمم، بامتلاكها رؤية معينة عن الحياة، تقوم على مجموعة من القيم الاجتماعيّة والمعارف والمعتقدات والفنون والأخلاق والتقاليد والفلسفة، أي على عقيدة انبثق عنها تشريع يصوغ الحياة، يتمثل في طريقة للعيش، وينعكس على صورة قيم يرتضيها المجتمع، ومقاييس وقناعات تحكم بها الدولة، يُوثَّقُ في إطارٍ قانونيٍّ يَتَمَثَّلُ بدستورٍ وتشريعاتٍ تصون تلك القناعات والمقاييس والقيم وتحميها وتطبقها، حتى تتحول إلى تقاليدَ وعُرَفٍ مجتمعيةٍ راسخةٍ، مما يعطي تلك الأمة شخصيةً معينةً، وتجانسًا فكريًا سُلوكيًا قِيَمِيًّا يكفُل للإنسانِ السعادةَ والطمأنينةَ؛ وحيث إن سلوك الإنسان الذي سنحكم من خلاله بأنه إنسان راقٍ ناهضٌ، أو على النقيض هو منحطٌ..
الهوية و مفهوم الانتماء
و يحتل مفهوم الانتماء موقعًا مركزيًا في البناء الفكري و النفسي للأفراد و الجماعات؛ فالهوية لا تختزل في صفة يحملها الفرد أو في الفئة التي يصنَّفُ ضمنها، وإنما تتشكل عندما يصبح الانتماء إلى جماعة عنصرًا واعيًا في فهم الإنسان لذاته. لذلك لا يوجد فصل بين الهوية الفردية والهوية الجماعية على نحو حادٍ، وإنما يتعامل معهما بوصفهما وجهين لمسألة واحدة؛ إذ لا توجد هوية جماعية محضة، ولا هوية فردية قائمة بذاتها، وإنما تتشكل الذات في علاقة متبادلة مع الآخرين والجماعات التي ينتمي الفرد إليها.
الهوية و صراع « الأنا » و »الآخر«
إشكالية الهوية في المجتمعات المعاصرة مما خلق نوعاً من التجاذب الحاد بين الانغلاق الهوياتي الذي يعني الرغبة في الانكفاء على الذات والحفاظ الصارم على الثقافة المحلية و »شرعة الأسلاف » خوفاً من الذوبان والتبعية الثقافية و بين الاستلاب أو التماهي الكوني و الذي يعني الانجراف تفاقمت الكامل وراء النماذج الثقافية الغربية أو العولمية الوافدة، مما يؤدي إلى الاغتراب وفقدان الجذور.
و إشكالية الهوية هذه أوجدت لدى سائر الشعوب أزمة انتماء وازدواجية ثقافية حيث يجد الفرد نفسه مطالباً بالتوفيق بين قيم بيئته الأصلية ومتطلبات العصر أو المجتمع الجديد، مما قد يولّد أزمة نفسية واجتماعية إذا أخفقت السياسات في استيعاب هذا التعدد.
هل هناك أزمة هويّة في الإسلام؟
يصوّر لنا الكثير من المفكرون وعلماء الاجتماع أنّ هناك أزمة هوية حادة يمر بها « المسلم المعاصر » والعالم الإسلامي اليوم بسبب ما يسمّونه « صدمة الحداثة الغربية والفجوة الحضارية » و يقولون أنّ الأزمة ليست في جوهر الإسلام كعقيدة أو نصوص، بل في كيفية تمثّل المسلمين لدينهم والتوفيق بينه وبين متطلبات الحداثة والعولمة.
بدأت الأزمة في تقديرهم بشكل جليّ منذ التماس المباشر مع الاستعمار الغربي وصدمة التطور التقني والعلمي للغرب. وجد المسلم نفسه أمام مفارقة: تاريخه وتراثه يخبرانه بأنه ينتمي لأمة رائدة (« كنتم خير أمة أخرجت للناس »)، بينما واقعه المادي يعكس تراجعاً اقتصادياً وسياسياً ومعرفياً. هذا التناقض ولد اهتزازاً في الثقة بالذات وأنتج شروخاً في الهوية. و الحلّ في تقديرهم يتمثّل في محاولة العيش بهوية « مزدوجة » أو « هجينة » حيث يجب أن يمارس المسلمون شعائر دينهم وفي الوقت ذاته يستهلكون ويتأثرون بالنمط الغربي في تفاصيل حياتهم اليومية و هذا لا يتعارض مع صميم الهوية التي تعني في نظرهم الصيرورة و الديناميكية والتفاعل مستمر بين « الأنا » و »الآخر ».
الهوية الإسلامية .. ماذا تعني ؟
و عند الحديث عن الهوية الإسلامية فهي تعني تلك التي تميّز بها المسلم من الانتماء إلى دين الله أي الإسلام وعقيدة التوحيد، فبها يعتز المسلم، وبها يوالي، وبها يعادي أو يحب أو يكره ، وهي منهج المسلم الذي يتابع فيه سنن من تقدمه من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ويسأل الله الهداية والثبات عليه في دعائه في الصلاة حيث يقول: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ *صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّإلينَ﴾
إنّ قضية الهوية الإسلامية هي قضية محورية ، والمشكلة تكمن في أن أكثر المسلمين مضللون اليوم لم يعوا أن الأعداء من حولهم على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم لا هدف لهم إلا استئصال شأفة الإسلام، وطمس الهوية الإسلامية وصهرها في دائرة العالمية الأممية، وإزالتها من الوجود؛ فالهوية الإسلامية -هي لا غيرها – الخطر الماثل أمام القوى الراغبة في احتواء العالم الإسلامي والسيطرة عليه سيطرة فعلية ودائمة، يقول تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:217]، وقال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:89]، وقال سبحانه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:120]. فهي هوية متميزة عما عداها؛ حيث إنها هوية في غاية الوضوح، ولا يمكن أبداً أن تختلط أو تلتبس بغيرها من الهويات حيث أكد الإسلام نشأة الناس من أصل واحد! فهم يرتبطون بنسب الأخوَّة الإنسانية العامة.. تدبَّروا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13)، وأنه وإن كان لكل أهل بلد ما يتميزون به من بيئة أو زيّ أو لغة أو سلالة ، فإن هذا أمر طبيعي بين البشر فقد خلقنا الله تعالى مختلفين، ولا يجوز للمسلم أن ينفي نسبته للإسلام، ولا أن يدعي نسبا غير نسبه الأصلي و هو الدين الإسلامي.
الهويّة من الدّين ..بل هي الدّين
وأهمية هذه الهوية في حياة المسلم مثل أهمية الدين في حياته، لأنها تنبثق عنه وتنكُّر المسلم لها خطير على معتقده ودينه وكلما توافقت هوية الفرد مع هوية المجتمع المسلم تعمّق إحساسه بالانتماء لهذا المجتمع واعتزازه به، أمّا إذا تصادمتا فهناك تكون أزمة الهوية وأزمة الاغتراب، وإلى معناها أشار النبي ﷺ بقوله: «إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود كما بدأ غريباً، فطوبى للغرباء» وفي بعض الروايات قيل: من الغرباء؟ فقال: «أناس قليل في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم».
ومن أراد أن يدرك الفرق بين العزة التي تكتسبها الأمة من الهوية الإسلامية وبين الذل حين تخلت عن هذه الهوية الإسلامية فلينظر إلى النموذج التركي الممسوخ؛ إنه أقبح صورة لمسخ الهوية، وأقبح مثال يمكن أن يضرب بالضياع والذل والهوان والخيانة التي يتنفس بها من تخلَّوا عن الهوية الإسلامية ، فبعدما كانت تركيا عاصمة الخلافة تخلّى حكّمها عن الإسلام بل حاربوه ، وفعلوا كل ما فعلوا من أجل أن يرضى عنهم الأميركيين والغربيون، لكن مع كل هذا احتقروهم و لم يعبأوا بهم مع أن الدواء واضح وهو العودة إلى مصدر العزّ، لكنهم يأبون إلا الذل والهوان، فهذا أقبح نموذج لمسخ الهوية وما يترتب عليه من ضياع وهوان ومذلة.
