حين تصبح ندرة الماء بابًا للوصاية  البنك الدولي وأزمة السيادة الاقتصادية في تونس

حين تصبح ندرة الماء بابًا للوصاية البنك الدولي وأزمة السيادة الاقتصادية في تونس

حين تصبح ندرة الماء بابًا للوصاية

البنك الدولي وأزمة السيادة الاقتصادية في تونس

في الثاني والعشرين من سبتمبر 2026، نشر البنك الدولي تقريره الجديد حول الاقتصاد التونسي، واضعًا أزمة المياه في قلب النقاش حول مستقبل النمو والتشغيل. ووفق التقرير، لا يتجاوز نصيب الفرد في تونس نحو 380 مترًا مكعبًا من المياه العذبة المتجددة سنويًا، وهو مستوى يقع دون عتبة الندرة المائية المطلقة، فيما يمكن أن يؤدي استمرار الضغوط المناخية والمائية إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 6.4 بالمائة بحلول 2050، فضلًا عن فقدان ما لا يقل عن 30 بالمائة من الوظائف الزراعية. غير أن أهمية التقرير لا تكمن في هذه الأرقام وحدها، وإنما في نقل المياه من خانة الخدمة العمومية إلى خانة العوامل التي تحدد مستقبل الاقتصاد نفسه.

وهنا نأتي إلى المسألة السياسية التي قد تحجبها التقارير الاقتصادية. فحين يصبح الماء شرطًا للنمو والإنتاج والغذاء، فإن تمويل مصادره وشبكاته وتقنياته وإدارته لا يعود شأنًا تقنيًا محضًا، بل يصبح جزءًا من السيادة الاقتصادية. وقد وافق البنك الدولي في مارس 2026 على تمويلين لتونس بقيمة إجمالية بلغت 332.5 مليون دولار لمياه الشرب والري، ضمن برنامج أوسع تصل حزمة تمويله إلى نحو 700 مليون دولار خلال عشر سنوات. كما يدعو البنك إلى إصلاح الإطار القانوني، وتحسين استرداد التكاليف ، وتقليص خسائر الشبكات ، وتعزيز الرقمنة وإعادة استخدام المياه ، فيما يقدّر حاجات تونس الاستثمارية في إطار خطة المياه 2050 بنحو 900 مليون دولار سنويًا حتى منتصف القرن.

إن سوء إدارة الموارد، والتفريط في المائدة المائية، والتمكين للخواص من رؤوس الأموال من العيون ومنابع المياه، هو جزء من الأزمة التي صنعها النظام في تونس. لكن وجود أزمة حقيقية لا يلغي السؤال عن الطريقة التي تُدار بها، ولا عن الجهات التي تحدد أولويات الاستثمار وشروط التمويل. فالأزمة، في الاقتصاد السياسي، قد تتحول إلى مجال لإعادة توزيع النفوذ والفرص، بما يحفظ سيادة البلد ويحقق الأمن المائي، أما أن تصبح الحاجة إلى استثمارات ضخمة في التحلية والمعالجة والشبكات والري والتكنولوجيا، مدخلا لفتح الأبواب على مصراعيها أمام البنوك الدولية، فذلك هو عين الفساد. فهل يصح أن ننترك للبنك الدولي أن يحدد أولوياتنا وأن يعمل أيضًا على تهيئة مشاريع للشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجالات تشمل المياه والتحلية ومعالجة الصرف الصحي؟

من هنا تبرز دلالة الدين بوصفه أكثر من مجرد مصدر للمال. فحين تكون الدولة ضعيفة القدرة على تمويل قطاع حيوي، بينما تأتي الأموال والخبرة والمعايير الإصلاحية من الخارج، يصبح المقرض قادرًا، بحكم موقعه في النظام الرأسمالي العالمي، على التأثير في الخيارات المتاحة أمام الدولة، دون الحاجة إلى إدارة مباشرة لهذا القطاع. وهذه إحدى صور الهيمنة الاقتصادية الحديثة التي لا تحتاج إلى احتلال الأرض، إذ يمكن أن تمر عبر القروض، والخبرة، وشروط الإصلاح، وإعادة هيكلة المؤسسات، وفتح المجالات أمام رأس المال الخاص.

وتزداد حساسية المسألة لأن الماء مرتبط مباشرة بالأمن الغذائي. فتراجع الموارد المائية يضغط على الزراعة، ويؤثر في الصناعات الغذائية، وقد يزيد الحاجة إلى استيراد الغذاء، بما يرفع الضغط على العملة الصعبة ويزيد بدوره الحاجة إلى التمويل الخارجي. وهكذا يمكن أن تتشكل دائرة من الاعتماد: ندرة مائية، ثم تراجع في الإنتاج، ثم ارتفاع في الواردات، ثم ضغط مالي، ثم حاجة أكبر إلى القروض، بما يمنح الدائنين مساحة أوسع للتأثير في السياسات الاقتصادية، من خلال تمويلات تجعل البلاد تعتمد بصورة دائمة على التكنولوجيا الأجنبية وعقود الصيانة والخبرة والتمويل الخارجي.

فإذا كانت ندرة المياه ستجعل القطاع أكثر أهمية في العقود المقبلة، فإن امتلاك القدرة على إنتاج التكنولوجيا وإدارة الموارد وتمويل جزء متزايد من الاستثمارات محليًا يصبح جزءًا من الأمن القومي نفسه.

إن ما يجب أن يرسخ في الأذهان، هو أن الماء في تونس، ليس مجرد مورد أو خدمة. إنه شرط للزراعة والصناعة والغذاء والاستقرار الاجتماعي، ولذلك فإن أمنه هو جزء من سيادة هذا البلد، وهكذا يجب أن يكون. وإن خطر الاقتراض لا يغيب عن عاقل، وبخاصة من قبل البنوك العالمية، القادرة على اغتيال الحكومات اقتصاديا، وهي الأقدر في هذه الحالة على تحويل الاقتراض المتكرر إلى شرط لتأمين الماء، وهنا تصبح التكنولوجيا والإدارة والتمويل كلها مرتبطة بالخارج.

فهل من يملك سلطة القرار في هذا البلد على وعي بخطورة السياسات المتبعة وعواقبها على البلد وأهله، أم أن هامش القرار قد تقلص إلى درجة لا يمكن فيها أن نقول « لا » للبنك الدولي، حتى وإن تعلق الأمر بأمننا المائي والغذائي؟

وهل تحل الأزمة بتصريحات من قبيل أن « تونس تدعم الجهود المبذولة لإدراج مسألة المياه ضمن أولويات أجندة الأمم المتحدة » أم تحل بقرض جديد من البنك الإفريقي للتنمية لصالح « الصوناد  » قدر بحوالي 377 مليون دينار؟

إن السياسة الحالية جزء من الأزمة، وما لم يفكر قادة المنطقة وخبراؤها في إدارة المياه الجوفية بشكل مشترك وفق أحكام الإسلام فإن الأمن المائي ومن ثم الغذائي سيصبح بأيدي المؤسسات الرأسمالية الدولية التي تتحرك بمنطق الوصاية. والأصل فهو أن تكون إدارة هذه الموارد من قبل دولة الإسلام دولة الخلافة، فهي ملكية مشتركة لجميع المسلمين، ولا يمكن لأي بلد بعينه أو شخص بمفرده أن يدعي ملكية هذه الممتلكات العامة. ولكن يمكن لجميع المسلمين الاستفادة من هذه الموارد وفقا لقواعد الإسلام، لأن النبي ﷺ قال: (المُسلِمونَ شُرَكاءٌ في ثَلاثَ: فِي الكَلاَء، والماءِ وَالنَّارِ). رواه أبو داود.

CATEGORIES
Share This