
… ويحاكم من ينكر عليهم شناعاتهم
بات من اليقين الذي لا يقبل الدحض أن التحليل السياسي الرصين، مهما رسخت قدم صاحبه في استخدام مناهج العلوم السياسية لتفسير الاحداث بشكل علمي منظم، ومهما تميز، صاحبه هذا، بالحياد والموضوعية في استكناه أسرار تلك الاحداث، او علا كعب ثقافته وتوسع، تبقى المعلومة الموثّقة التي تستند إلى الحقائق الدقيقة، والتي تخفيها الكواليس حصرا، هي الركن الذي تُشيّد عليه تحليل من لا يقبل على نفسه أن يخدع أهله أو يضللهم بالأكاذيب والآراء المهزوزة.
فموضوع وقوع الأمة الإسلامية في مجملها، ومعظم أقطارها في تفصيلها، تحت هيمنة البلدان الاستعمارية، وأنها لا تكاد تملك من أمرها شيئا، لا يختلف فيه اثنان، وأن قضيتها المركزية تنحصر في تحررها من ذلّ هذه التبعية. فأمام إصرارنا على التأكيد على أن نهضتنا تمر جبرا عبر الآلية المعقدة لكسر هذا الطوق المضروب حولنا، بتنا نُتّهم بالوقوع في حبال نظرية المؤامرة، رغم الأدلة والشواهد التي تكاد تفقأ الأعين. إلا أن المعلومات التي توثقها تصريحات هذا المسئول أو ذاك، وفلتات ألسنتهم، سواء المباشر منهم حاليا لمهامه أو السابق منهم، فهي تكشف عن امر مرعب لمدى تغلغل النفوذ الاستعماري في أوصالنا، تكاد لا تستوعبه أعمق التحاليل وأشدها رسوخا في ميادين العمل السياسي.
فلا يدري المرء أي هذه التصريحات هي أشد تعبيرا عن حجم المأساة التي تطحن أمتنا، وأيها أبلغ أثرا في واقعها! فهل يرجح تأكيد رئيس مجلس نواب الشعب أن موقف رئيس الدولة من اعتبار مسألة تجريم التطبيع مع الكيان الغاصب سيضرّ بالمصالح الخارجية لتونس، وأنّ المسألة اتخذت طابعًا انتخابيًا لا أكثر ولا أقل، بحديث رئيس سابق للبلاد عن مسئول كبير يشرف على عمله ويقيمه ويصوّب ما يرى من ميلا ن، أو تأكيد رئيس ثالث مرّ على كواهلنا يوما، جاء اليوم يطمئننا أن انفراج أمر الحكم فينا يُتدارس في الغرف الخارجية؟
ثم على أي قاعدة علمية يُراد للمحلل السياسي أن يبني تحاليله في تونس اليوم، وهو يدرس واقع البلاد ويؤسس لمستقبلها، إذا أكد وزير سابق أن الأسس السياسية التي تضبط « تحركاتنا » اليوم، بعد الثورة، والتي انبثقت عن هيئة بن عاشور وأساسا القانون الانتخابي الذي حدّد مسار « الانتقال الديمقراطي »، قد تمت صياغتها بتأثير من خارج البلاد، ومن أوروبا تحديدا؟
لئن مرت كل المعلومات السياسية، سالفة الذكر، وغيرها الكثير وهي تكشف عن حجم الانبتات الذي يلفّ الوسط السياسي قاطبة، وهو الضلع الثاني لمأساتنا والمتمثل في الخيانة المعرفية لكل هؤلاء، زائد الغباء السياسي الذي هيّأ الجميع لخدمة مصالح قوى الهيمنة، فإن ما صرح به السيد المنصف المرزوقي لإحدى محطات التواصل الاجتماعي، من أنه أشرف، سنة 2003، في دير بجنوب فرنسا وفره لهم أحد الرهبان، على عملية جمع نحوا من خمسين ناشط سياسي، من كامل أطياف المعارضة، للتداول في شؤون البلاد، وهو الأمر الذي أفرز دستور التأسيسي، وحكومة « الترويكا »، وهو يقترح إعادة التجربة للخروج من الأزمة السياسي التي تعصف اليوم بالبلاد.
إلا أن الأخطر من هذه الهاوية التي أردوا فيها الأرض والعرض، تلك البلادة الفكرية السياسية التي باتت تتحكم بالعقول، إذ لم ينكر أحد على السيد المرزوقي ومن شاركه فعلتهم تلك، ولا حذر من مقترح إعادة التجربة. فلم تتحرك النيابة لإثارة دعوى قضائية ولا استنكر الفرقاء السياسيون ما كشف عنه من معلومات ظلت خافية عن الرأي العام، ومع كل ذلك استمر المقترح كتجربة قابلة لإعادة اعتمادها، بل قد تكون الطبخة الآن تجري الآن في غرفهم المظلمة ليعاد على الناسئ القول بوجوب طاعة أولي الأمر.
