
ظاهرة الاغتصاب نتيجة ثقافة دولة الحداثة
أعادت جريمة الاعتداء الجنسي الجماعي على فتاة قاصر تبلغ من العمر 15 عاماً في منطقة الملاسين بالعاصمة فتح النقاش حول تصاعد أشكال العنف داخل المجتمع ، ولا سيما عندما يكون بعض المشتبه في تورطهم من القاصرين أنفسهم. وأعلنت السلطات فتح بحث أمني بإذن من النيابة العمومية في قضية تتعلق بتغرير واحتجاز واعتداء جنسي جماعي على فتاة في الخامسة عشرة من عمرها.
لقد أصبح انتشار الجريمة في تونس أمرا يدق ناقوس الخطر حقا ، فقد تنامت كثير من ظواهر القتل والسلب والشذوذ وغيرها في الأعوام الأخيرة وتنامت ظاهرة الاغتصاب بصفة عجيبة، ولم تسلم منها الطفلة الصغيرة ولا حتى العجوز الطاعنة في السن ناهيك عن الشابات. ولقد أدّى انتشار الموبقات من خمر ومخدرات وغيرها إلى الارتكاس بالسلوك الإجرامي إلى مستوى شاذ يحيّر اللبيب ويوجب الوقوف على العوامل المؤدية إلى هذا التفشي الكبير لمثل تلك الجرائم البشعة.
وفي هذا الصدد يقول الأستاذ ياسين بن علي: منذ الاستقلال، بدأت مسيرة التغريب في بلادنا مع بورقيبة بقوّة، ترعاها السلطة وتشرف عليها أجهزة الدولة، وتمّ القضاء على مؤسسة الزّيتونة التي كانت – رغم علّاتها وأمراضها – حريصة على إبقاء البلاد مرتبطة بجذورها الفكرية والثقافية الإسلامية. ولما استلم بن علي الحكم سنة 1987م عمل على استمالة النّاس الذين كانوا توّاقين لعودة الثقافة الإسلامية وربط البلاد بجذورها الحضارية، فأعلن إعادة التعليم الزيتوني، وأظهر التمسّك ببعض العادات والمظاهر الإسلامية، ولكنّه رأى أنّ النزعة الإسلامية في البلاد تهدّد سلطته؛ فتحالف مع اليسار، وبدأ سياسة تجفيف منابع الدّين وترسيخ قيم الحداثة الغربية بالحديد والنار ، وكانت النتيجة كارثية على المجتمع. ذهب بن علي وخلّف وراءه جيلا غارقا في الفساد، منغمسا في الرذيلة، لم يأخذ من الحداثة سوى وجهها الأقبح المتمثّل في الانحلال من الأخلاق والإقبال على الشهوات نتيجة سياسة تعليمية وإعلامية تحتقر التّدين وتعتبره مظهر انحطاط وتخلّف ورجعية. ثمّ استلم السبسي الحكم ليتابع سياسة بورقيبة أو بتعبير محمد الطالبي – في كتابه قضية الحقيقة – ليتابع سياسة إجلاء الإسلام من تونس بنور الأنوار.
فمنذ ستين سنة أو يزيد لم تطبّق في بلادنا إلا أفكار الحداثة الغربية. نعم، قد تكون حداثة ناقصة في المجال السياسي، بمعنى أنّها ليست ديمقراطية حقّة وفق النموذج الغربي ، ولكنّها بلا شكّ حداثة كاملة فيما يتعلّق بالمجال الاجتماعي والتربوي. فماذا أنتجت هذه الحداثة التي ركّزت على حقوق المرأة والحرّيات الشخصية؟ أنتجت امرأة تتباهى بأنوثتها وتفتخر بإبراز مفاتنها وإظهار عورتها؛ وأنتجت إعلاما يركّز على تمايل النّساء وغنجهنّ؛ وأنتجت فنّا موجّها لفئة (18+) يعدّ عند الحداثيين مفخرة وهو في حقيقته معرّة؛ وأنتجت مصانع أم الخبائث (الخمر) والزطلة. فأنظر إلى الذكور والإناث في المعاهد والجامعات، وأنظر إليهم في الشوارع والطرقات، وأنظر إليهم في المقاهي والصالونات، فماذا ترى؟ ترى نتيجة هذه الحداثة التي أنتجت جيلا « متحرّرا » « متفتّحا » يفهم التقدّم والتطوّر بمعنى الانفلات من كل قيد أخلاقي وديني، لم يأخذ من الغرب الحداثي علمه ومعرفته إنما أخذ نمط حياته المتمثّل في العبثية والعدمية والإباحية.
إنّ المجتمع الحداثي الذي يتقصّد إثارة الغريزة الجنسية عبر السماح بإبراز الأنوثة والتعرّي وإظهار المفاتن، وعبر إنتاج وسائل الإثارة كالمواد التي يقدّمها الإعلام التونسي أو تقدّمها الانترنيت، عليه أن يتهيّأ لمرض الكبت الذي تخلّفه الإثارة؛ فليس كلّ من يثار يشبع غريزته بالرضا، أو يصبر ويقاوم قوّة الإثارة بقوّة أخرى كالأخلاق والدّين والوعي على قيمة القانون، فمنهم من يتفجّر كبته في عنف وشذوذ، ولا يجد من طريق سوى الاغتصاب الذي تعينه عليه أم الخبائث والزطلة في ظل منظومة ثقافية وقانونية عاجزة عن الردع والزجر.
إنّ ظاهرة الاغتصاب القبيحة الشنيعة الوحشية هي في حقيقتها عرض لمرض خبيث عضال في المنظومة الثقافية المفروضة كرها في البلاد، اسمها الحداثة، بقيمها الإباحية ومحاربتها للدّين والشريعة والأخلاق الإسلامية، ولا يتأتى العلاج إلا باجتثاث المرض من أصوله، وذلك بالعودة إلى الدّين الإسلامي بثقافته وحضارته وأنظمته، ليوجد الوازع والرادع؛ الوازع الديني الذي يركّز على قيمة العرض والشرف، وقيمة الالتزام بالحلال والتحلّي بالطهر والعفاف، والذي يؤسّس لتقوى يخشى بسببها المرء ربّه في السرّ كما يخشاه في العلانية. والرادع الذي يزجر أصحاب النفوس الضعيفة والمريضة، ويجعل المغتصب عبرة لمن يعتبر بتطبيق حدّ الشّرع عليه أو تعزيره » و هنا ينتهي قوله.
و عليه فإن معالجات الإسلام وحدها هي القادرة على وضع حد لما تعيشه تونس من تنامي ظاهرة الاغتصاب و غيرها من الجرائم، فشرع الله كفيل بإيجاد الوازع الديني لدى الأفراد والدولة، وأحكام النظام الاجتماعي وحدها هي الأحكام الصحيحة التي تضبط علاقة الرجل بالمرأة فتجعلها علاقة بناء في المجتمع لا علاقة هدم.
إذا ما طبقت الدولة شرع الله فحتما لن نجد آفات الخمر والمخدرات وغيرها تفتك بالشباب وسنجد تعليما وإعلاما راقياً هادفاً يسير بالتوازي مع أهداف الدولة لإرساء العفة والفضيلة، فلا مجال لاستثارة الغرائز وستفهم المرأة أنّ اللباس الشرعي ما هو إلا رحمة من الله لها يحفظها ويكرمها ويبعد عنها الأعين المريضة فتقبل على الالتزام به. كما ستضرب الدولة بيد من حديد لكل من تسوّل له نفسه هتك الأعراض والترويع والقتل.
